في سباق الإدارة الأميركية لرفع إنتاج الصواريخ والذخائر وتعويض ما استُهلك من منظومات الأسلحة، تواجه الصناعات الدفاعية الأميركية عقبة تبدو للوهلة الأولى هامشية، ممثلة في "مسمار معدني صغير شديد الدقة"، قد يستغرق الحصول عليه سنوات، ويهدد بإبطاء إنتاج صواريخ متطورة.
إذ يمثل ما يعرف ب"المسمار الكروي الدقيق" مكوناً أساسياً في تصنيع صواريخ "باتريوت" والطائرات والروبوتات الشبيهة بالبشر، فيما تعاني الولايات المتحدة نقصاً في الشركات القادرة على إنتاجه بالكميات والمواصفات المطلوبة.
كما يحتوي هذا المسمار الكروي على كرات تعيد تدوير نفسها لتقليل الاحتكاك، ويحول الحركة الدورانية إلى حركة خطية، ويبدو شبيهاً باللولب، ولا يكاد أحد خارج دائرة صغيرة من فنيي تشغيل المعادن والمهندسين قد سمع به.
لكنه في التطبيقات العسكرية يحتاج إلى مستويات استثنائية من الدقة، وفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".

مسمار كروي (آيستوك)
وبينما تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على استبدال أو تطوير أنظمة الأسلحة التي استُنزفت بسبب الحرب في إيران، تعاني هذه المسامير نقصاً في المعروض، ما يضيف أشهراً، بل وحتى سنوات، إلى المدة اللازمة لصناعة صاروخ.
هذا واعتبر نيك كولار، نائب الرئيس التنفيذي للمبيعات في قطاعات الطيران والدفاع والفضاء لدى شركة "أومبرا غروب" الإيطالية، التي تمتلك مصنعاً بولاية ميشيغان، أن هذا المكون "خلق نقطة اختناق"، مقدراً أن الطلب عليه ارتفع بما يصل إلى 50 بالمئة منذ عام 2020.
مكون صغير.. ودقة بالغة
فيما لا تملك سوى حفنة من الشركات في الولايات المتحدة القدرة على تصنيع هذه المسامير لصالح الجيش الأميركي، لكن مع وصول معظمها بالفعل إلى أقصى طاقتها الإنتاجية، فإن زيادة إنتاج الكميات المطلوبة من المسامير للأسلحة التي تريد إدارة ترامب تصنيعها ستحتاج إلى وقت واستثمارات.
لهذا قال كولار: "إنه مكون مصمم هندسياً بدرجة عالية، ولا يوجد كثير من المصنعين القادرين على توفيره".
علماً بأنه تتحكم في الصواريخ آليات إلكترونية تُعرف باسم المشغلات، تحرك زعانف الصاروخ بزوايا دقيقة حتى يصل إلى أهدافه، ويحتوي كل مشغل على مسمار كروي يتمتع بدرجة من الدقة بحيث تُقاس دقته بوحدات يبلغ حجمها نحو واحد على مئة من عرض شعرة بشرية، كما تحتوي الصواريخ عادة على 4 مشغلات على الأقل، وبالتالي تحتاج إلى 4 مسامير كروية على الأقل.

مسمار كروي (آيستوك)
فيما تحتوي المسامير الكروية على كرات تعيد تدوير نفسها لتقليل الاحتكاك، وتحول الحركة الدورانية إلى حركة خطية، على غرار اللولب، أما المسامير المصممة للاستخدامات الصناعية الشائعة، مثل تلك المستخدمة في أنظمة التوجيه الكهربائي للسيارات، فلا تحتاج إلى الدرجة نفسها من الدقة، ومن السهل نسبياً الحصول عليها.
لكن المسامير المستخدمة في الصواريخ غالباً ما تستغرق عاماً لإنتاجها، وقد تتجاوز تكلفة الواحد منها ألف دولار، ويمكن تجميع المسمار الكروي الدقيق في غضون أسابيع، لكن الحصول على الفولاذ الخاص المقاوم للحرارة من مصنع المعادن لبدء تصنيع الأجزاء يستغرق أشهراً عدة. كما تستغرق مجموعة من الخطوات الأخرى وقتاً إضافياً، بدءاً من معالجة الفولاذ حرارياً لمنع تشوهه، وصولاً إلى إرسال المسامير إلى مصنع آخر لطلائها بالكروم أو بمادة أخرى.
هذا ولا تقتصر صعوبات إنتاج المسامير الكروية على الولايات المتحدة، فوفقاً لتقرير صدر عام 2025 عن لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية الصينية، حددت الصين هدفاً يتمثل في إنتاج ما لا يقل عن 80 بالمئة من المسامير الكروية عالية الجودة التي تستخدمها، لكنها لم تحقق هذا الهدف.
زيادة إنتاج الصواريخ
علماً بأن أهمية هذه المشكلة تزداد مع خطط الولايات المتحدة لرفع إنتاج أنظمة صاروخية رئيسية؛ ففي يناير، أبرمت "لوكهيد مارتن" اتفاقاً مع إدارة ترامب لزيادة الإنتاج السنوي لصواريخ "باتريوت"، المعروفة أيضاً باسم صواريخ الاعتراض PAC-3، إلى ثلاثة أمثاله.
فيما قال باتريك روش، الرئيس التنفيذي لشركة "موغ"، خلال مكالمة مع المستثمرين في يوليو، إن الشركة مستعدة لتلبية الطلب، لكنه أشار إلى احتمال وجود صعوبات في الحصول على المكونات المطلوبة، مضيفاً: "المسألة الحرجة الآن هي توسيع القدرة الصناعية".
فقد استهلكت العمليات الأميركية آلاف الصواريخ التي تبلغ تكلفة الواحد منها ملايين الدولارات، بينما أدى التصدي للهجمات الإيرانية إلى استنزاف مخزون صواريخ الدفاع الجوي بدرجة أثارت قلق مسؤولين كبار في إدارة ترامب، ودفعت الولايات المتحدة إلى تأخير بعض شحنات الأسلحة الموجهة إلى عملاء في أوروبا وآسيا.
لذا تحاول إدارة ترامب تسريع إنتاج الأسلحة بالتعاون مع شركات الدفاع، لكن حتى مع زيادة الإنتاج، قد تحتاج الولايات المتحدة إلى أكثر من عامين لتعويض صواريخ "باتريوت" التي استخدمت في الحرب، بينما يرى خبراء أن أزمة الذخائر الحالية قد تستمر إلى ما بعد ولاية ترامب.