رغم التطور التكنولوجي الهائل الذي شهدته القوات البحرية الحديثة، لا تزال البحرية الأمريكية تعتمد على بعض الأساليب التقليدية في الحفاظ على تفوقها التكتيكي، وأبرزها استخدام سفن عسكرية بهياكل خشبية، وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية متخصصة لمكافحة الألغام البحرية وحماية السفن من الانفجارات المغناطيسية.
سفن فئة Avenger ذات الهياكل الخشبية دخلت الخدمة في الثمانينات، وما زالت بعض وحداتها تعمل حتى اليوم ضمن الأسطول الأمريكي.
وتتمركز معظم هذه السفن، البالغ عددها أربع وحدات فقط حاليا، في موانئ يابانية، حيث تقوم بمهام كاسحات الألغام وصيدها.
وعلى الرغم من تراجع أعدادها، فإن دورها ظل حيويا ومخصصا تقريبا بالكامل لمواجهة الألغام البحرية المغناطيسية، وهي مهمة حساسة تتطلب دقة عالية وحماية فعالة للسفن الأخرى.
ويكمن سر استخدام الهياكل الخشبية في تفادي جذب الألغام المغناطيسية، فمعظم الألغام الحديثة تعمل عبر استشعار المجال المغناطيسي للسفن المعدنية، ما يجعل السفن الفولاذية هدفا سهلاً للانفجار.
أما السفن الخشبية، بفضل المواد غير المغناطيسية المستخدمة في بنائها وطلائها بالألياف الزجاجية، فهي تقلل بشكل كبير احتمالية تفعيل الألغام، ما يمنحها ميزة تكتيكية كبيرة في المياه الملوثة بالألغام.
وتعود فكرة استخدام الهياكل الخشبية إلى حقبة الحرب العالمية الأولى، عندما طوّر الجيش البريطاني أول الألغام المغناطيسية التلامسية عام 1919، والتي كانت تتطلب الاصطدام المباشر بالسفينة لتنفجر، لاحقا، صممت القوات الألمانية ألغاما مغناطيسية أكثر خطورة تعتمد على المجال المغناطيسي للسفينة، ما دفع الدول لاستخدام تقنيات إزالة المغنطة أو الحد من المعادن المغناطيسية في بناء السفن المخصصة للمياه الملوثة بالألغام.
سفن فئة Avenger مجهزة بأنظمة سونار متقدمة، وتعد من خطوط الدفاع الأولى للبحرية الأمريكية ضد الألغام البحرية المغناطيسية، وقد أسهمت خلال عقود من خدمتها في إنقاذ آلاف الأرواح، ومع ذلك، من المقرر أن يتم إخراجها من الخدمة خلال العام الحالي، ليتم استبدالها بكاسحات ألغام حديثة مزودة بتقنيات متطورة للكشف عن الألغام وتدميرها بفعالية أعلى.
يبقى استخدام الهياكل الخشبية مثالا على كيفية مزج التكنولوجيا الحديثة بالحلول التقليدية لتحقيق التفوق التكتيكي في البحرية، وهو تذكير بأن الابتكار العسكري لا يقتصر دائما على أحدث الأسلحة، بل يشمل أحيانا إعادة توظيف مواد قديمة بحكمة عالية لخدمة مهام حيوية وحساسة.