أعادت دراسة علمية حديثة تحديد العمر الزمني لما يُعرف بـ«طفل لابيدو»، الذي عُثر على رفاته في وسط البرتغال، إلى نحو 28 ألف عام، منهيةً بذلك عقدين من الجدل حول ما إذا كان يمثل حالة تهجين مباشر بين إنسان النياندرتال والإنسان العاقل، أم ينتمي إلى جماعات حديثة حملت سمات موروثة من أسلاف مختلطين.
الدراسة، المنشورة في مجلة «ساينس أدفانسز»، اعتمدت تقنية متقدمة في التأريخ بالكربون المشع طُبّقت مباشرة على عظام الطفل، ما أتاح تجاوز مشكلات التلوث التي أربكت محاولات سابقة لتحديد عمر الدفن.
تأريخ مباشر يحسم الالتباس
قاد البحث عالم الآثار البرتغالي جواو زيلهاو الذي استخدم وفريقه تقنية تأريخ خاصة بالمركّبات، تستهدف حمض الهيدروكسي برولين المستخلص من كولاجين العظام، وتُعد هذه المنهجية أكثر دقة، إذ تعزل الأحماض الأمينية الأصلية وتقلل من تأثير الكربون الدخيل الناتج عن تدهور العظام بفعل التربة.
وأظهرت النتائج أن الدفن يعود إلى فترة تتراوح بين 27,800 و28,600 سنة مُعايرة قبل الحاضر، أي بعد عدة آلاف من السنين من أحدث التواريخ المقبولة على نطاق واسع لوجود النياندرتال في أوروبا، والتي تشير إلى اختفائهم بين 32 و40 ألف عام مضت، بما في ذلك مواقع مثل Gorham's Cave.
تكمن أهمية هذا الإطار الزمني في أن معظم مواقع النياندرتال الأوروبية تعود إلى فترات أقدم. فأحدث الأحافير المقبولة على نطاق واسع، من مواقع مثل كهف غورام في جبل طارق، تؤرَّخ إلى ما بين 32 ألفًا و40 ألف عام، رغم استمرار الجدل بشأن بعض التقديرات. وإذا كان تأريخ دفن لابيدو إلى 28 ألف عام صحيحًا، فإنه يأتي بعد اختفاء تلك الجماعات بعدة آلاف من السنين.
تأكيد زمني عبر التأريخ المباشر للعظام
يشير مؤلفو الدراسة إلى أن التواريخ السابقة كانت إما غير مباشرة، استنادًا إلى الفحم المرتبط بالدفن، أو متأثرة بالتلوّث، أما الدراسة الجديدة فاعتمدت على مطيافية الكتلة المعجَّلة المطبّقة على هيدروكسي برولين منقّى.
ويوضح الباحثون أن محاولات التأريخ السابقة أسفرت عن نتائج متباينة، جزئيًا بسبب تأثيرات التربة في مأوى «لاغار فيلهو» الصخري التي أدّت إلى تدهور الكولاجين وإدخال كربون خارجي، ويهدف البروتوكول الجديد، المطوَّر في السنوات الأخيرة للتعامل مع بقايا العصر الجليدي ضعيفة الحفظ، إلى عزل الكربون الأصلي للعظام.
وتبيّن أن عمليات الاستخلاص المتعددة قادت إلى تأريخ يعود إلى أواخر العصر الغرافيتي من العصر الحجري القديم الأعلى، وهي مرحلة ثقافية ترتبط بجماعات الإنسان الحديث في أوروبا، لا بالتقاليد الحجرية للنياندرتال.
كان الدفن قد اكتُشف عام 1998 في موقع لاغار فيلهو بمنطقة ليريا في البرتغال، ويعود الهيكل العظمي لطفل قُدّر عمره عند الوفاة بنحو أربع سنوات، وقد دُفن عمدًا، وغُطّي بالمغرة الحمراء، ورافقته أصداف مثقوبة وعظام حيوانية.
أثارت السمات التشريحية اهتمامًا فوريًا؛ إذ أظهر الطفل ذقنًا وقبوًا قحفيًا حديثين، إلى جانب نسب أطراف وخصائص سنية وُصفت آنذاك بأنها «شبيهة بالنياندرتال». وفي تقرير نُشر عام 1999 في «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم»، رجّح فريق الاكتشاف أن يكون الهيكل مثالًا على تهجين من الجيل الأول.
لكن تحليلات لاحقة طعنت في هذا التفسير، فقد رأى بعض علماء الإنسان القديم أن السمات تقع ضمن نطاق التباين الطبيعي للإنسان الحديث المبكر في أوروبا، فيما اعتبر آخرون أن مزيج الخصائص غير اعتيادي بما يكفي لدعم فرضية الاختلاط.
المورفولوجيا في مواجهة الجينات
لا يحسم التاريخ الجديد هذا الجدل، لكنه يوضح الإطار الزمني الذي ينبغي أن يُفهم ضمنه، فقد أثبتت أبحاث الجينوم خلال العقد الماضي أن جماعات الإنسان الحديث خارج أفريقيا تحمل بين 1 و2 في المئة من الحمض النووي النياندرتالي، ويُرجَّح أن هذا التداخل الجيني حدث قبل نحو 50 إلى 60 ألف عام، بعيد خروج الإنسان الحديث من أفريقيا إلى أوراسيا، وبحلول 28 ألف عام مضت، كان أي إسهام جيني نياندرتالي قد أصبح جزءًا راسخًا من البنية الوراثية للإنسان الحديث، لا نتيجة تواصل حديث.
ويؤكد مؤلفو دراسة «ساينس أدفانسز» أن العمر المُحدَّث «يستبعد احتمال» أن يعكس الطفل بقاءً متأخرًا للنياندرتال في شبه الجزيرة الإيبيرية، وبالتالي، فإن أي سمات شبيهة بالنياندرتال ستكون انعكاسًا لأصول موروثة داخل جماعات الإنسان الحديث.
ولا تقدّم الدراسة بيانات حمض نووي قديم للطفل، إذ لم تسمح ظروف الحفظ في الموقع باستخلاص مادة جينية صالحة للتحليل، ومن دون بيانات جينية، تبقى التفسيرات قائمة على التشريح.
وتُقرّ دراسة تحليلية مرافقة مفتوحة الوصول عبر المكتبة الوطنية الأمريكية للطب بالتحديات المنهجية في تأريخ وتفسير بقايا العصر الحجري القديم الأعلى المجزأة، مشيرة إلى صعوبة تصنيف السمات الهيكلية وحدها في جماعات شهدت اختلاطًا وراثيًا قبل عشرات آلاف السنين.
يقع دفن لاغار فيلهو ضمن المجمع الثقافي الغرافيتي، المؤرَّخ عموما بين 33 ألفًا و22 ألف عام في أوروبا. ووفق السلطات الأثرية البرتغالية، عُثر في الموقع على أدوات حجرية تتوافق مع هذا التقليد، من دون العثور على لقى موستيرية مرتبطة بالنياندرتال في طبقة الدفن.
كما يشير وجود المغرة الحمراء والحُلي الشخصية إلى سلوك رمزي يميّز جماعات الإنسان العاقل في العصر الحجري القديم الأعلى. ورغم أن النياندرتال يُعرف اليوم بممارسته سلوكيات رمزية، فإن مكتشفات لاغار فيلهو تنسجم مع مواقع الإنسان الحديث المعاصرة في أوروبا الغربية.
وعليه، يضع التأريخ الجديد الدفن ضمن فترة كان فيها النياندرتال قد اختفى بالفعل من شبه الجزيرة الإيبيرية. وقد تقلّصت فرضية «الملاذ الإيبيري»، التي افترضت سابقًا بقاء النياندرتال فترة أطول في جنوب إسبانيا والبرتغال، مع تحسّن تقنيات التأريخ في مواقع مثل إل سيدرون وكهف غورام.
ويرى باحثون غير مشاركين في الدراسة أن طفل لابيدو يظل معطى مهمًا لفهم كيفية تجلّي الأصول النياندرتالية جسديًا لدى أوائل الأوروبيين من الإنسان الحديث، فمع غياب الحمض النووي، لا يمكن للهيكل العظمي تأكيد درجة الاختلاط، لكن تشريحه يواصل تغذية النقاش حول مدى استمرار السمات النياندرتالية بصورة مرئية.
ويخلص المؤلفون إلى أن التقدّم المستقبلي يعتمد على تطوير تقنيات استعادة البروتينات القديمة والحمض النووي من سياقات ضعيفة الحفظ. وتعمل عدة مختبرات أوروبية حاليًا على تطبيق تقنيات البروتيوميات على بقايا من العصر الجليدي كانت تُعد سابقًا غير صالحة للتحليل الجيني.