كشفت دراسة حديثة أن المريخ كان يتمتع بمناخ دافئ ورطب قبل مليارات السنين، في تناقض صريح مع النظريات التي كانت تفترض أن تلك الفترة كانت باردة ومتجمدة.
وهذا الاكتشاف يغير الكثير مما كنا نعرفه عن الكوكب الأحمر، ويفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالية أن تكون الحياة قد نشأت عليه في زمن موغل في القدم.
لغز عمره 50 عاما
منذ أكثر من خمسين عاما، يطارد العلماء سؤالا واحدا: هل كان المريخ صالحا للحياة في الماضي؟. وهذا السؤال البسيط كان الدافع وراء عشرات المهام الفضائية التي أرسلت لاستكشاف الكوكب الأحمر.
وكل مهمة جديدة تقربنا خطوة من الإجابة، والدراسة الأخيرة تضيف قطعة مهمة إلى هذا اللغز المحير.
عصر نوشيان: الفترة الحاسمة
يبلغ عمر المريخ نحو 4.5 مليار سنة، مقاربا بذلك عمر الأرض، وينقسم تاريخه إلى عصور جيولوجية مختلفة. والدراسة الجديدة تسلط الضوء على فترة حاسمة تعرف باسم "عصر نوشيان" (Noachian epoch)، والتي تمتد من حوالي 4.1 إلى 3.7 مليار سنة مضت، أي في الوقت الذي كانت فيه الحياة ما تزال تتشكل على الأرض.
وكانت هذه الفترة من أكثر الفترات عنفا في تاريخ المجموعة الشمسية، حيث تعرضت الكواكب لوابل كثيف من النيازك العملاقة في حدث يعرف باسم "القصف الشديد المتأخر". ما تزال آثار هذه الاصطدامات العنيفة واضحة على سطح المريخ حتى اليوم، وأبرزها حوض "هيلاس" (Hellas) و"أرغير" (Argyre) الضخمين، بحيث أن كل حوض منهما يتسع لمياه البحر الأبيض المتوسط بأكمله، بل ويبقى فيه متسع.
مفاجأة: العنف خلق الحياة؟
قد يظن المرء للوهلة الأولى أن هذه الفترة المضطربة كانت قاسية جدا ولا تصلح لنشوء الحياة. لكن المفاجأة أن الأدلة العلمية تشير إلى عكس ذلك تماما. ففي هذا العصر تحديدا، وفي خضم هذا العنف الكوني، يبدو أن المريخ كان الأكثر قابلية لظهور الحياة.
والدليل على ذلك موجود في تضاريس الكوكب، مثل وديان الأنهار الجافة التي تخترق السطح، وقيعان بحيرات قديمة، وشواطئ ودلتا أنهار متحجرة. وكل هذه التكوينات الجيولوجية لا يمكن أن تتشكل إلا بوجود مياه متدفقة على السطح لفترات زمنية طويلة.
وما يزال الجدل العلمي حول مناخ المريخ في عصر النواحي محتدما، وهناك نظريتان رئيسيتان:
النظرية الأولى: كان المريخ باردا ومتجمدا، مع ذوبان كميات كبيرة من الجليد بشكل متقطع نتيجة اصطدام النيازك أو الثورات البركانية.
النظرية الثانية: كان المريخ دافئا ورطبا وخاليا من الجليد في معظمه.
والمشكلة أن الشمس قبل مليارات السنين كانت أقل سطوعا بنحو 30% مما هي عليه اليوم، ما يعني وصول حرارة أقل إلى المريخ. لكي يكون المريخ دافئا، كان يحتاج إلى غلاف جوي كثيف جدا مليء بغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.
لكن المفارقة أن ثاني أكسيد الكربون عندما يزيد عن حد معين، يتحول إلى سحب تقلل من تأثير الدفيئة بدلا من زيادته. ولهذا السبب، كانت نظرية "المريخ البارد" تبدو أكثر منطقية للكثيرين.
المسبار الذي حسم الجدل
في فبراير 2021، هبط مسبار "برسفيرنس" على سطح المريخ في مهمة تاريخية. واختار العلماء منطقة "بحيرة جيزيرو" بالتحديد لأنها كانت تحتوي على بحيرة قديمة. والصور المأخوذة من المدار أظهرت مصاطب صخرية على شكل مراوح، تكونت بفعل تدفق المياه عبر جدران الفوهة، مع وجود رواسب غنية بالمعادن الطينية.
وقد حللت الدراسة الجديدة عينات من حبيبات طينية تسمى "الكاولينيت"، عثر عليها داخل أحد قنوات التدفق القديمة. وهذه الحبيبات تحمل علامات واضحة على تعرضها لتجوية شديدة وتغيير كيميائي بفعل الماء خلال عصر نوشيان.
وما يثير الاهتمام حقا هو التركيب الكيميائي لهذه الحبيبات: فهي تفتقر بشدة للحديد والمغنيسيوم، لكنها غنية بالتيتانيوم والألمنيوم. وهذا يعني أن هذه الصخور لم تتغير بفعل مياه ساخنة ناتجة عن ذوبان الجليد بالحمم أو النيازك (وهو ما كان سيحدث لو كانت النظرية الباردة صحيحة)، بل تغيرت تحت درجات حرارة معتدلة وأمطار غزيرة ومستمرة.
شبه مذهل بالأرض
وجد العلماء تشابها واضحا بين التركيب الكيميائي لهذه الحبيبات وطين مماثل على الأرض يعود لفترات كان فيها المناخ أكثر دفئا ورطوبة. ويستنتج العلماء أن هذه الحبيبات تشكلت في ظل أمطار غزيرة شبيهة بمناخ الأرض القديم، وأنها تمثل على الأرجح أكثر فترات المريخ رطوبة، وربما أكثرها ملاءمة لنشوء الحياة.
والأهم أن هذه الظروف استمرت لفترات طويلة، ربما آلاف بل ملايين السنين، وهي مدة كافية لنشوء الحياة وتطورها لو كانت الظروف مناسبة.
وهذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها مسبار برسفيرنس الجدل. ففي العام الماضي، أعلن الفريق العلمي عن اكتشاف بصمات حيوية محتملة في عينات أخرى جمعها من نفس المنطقة. وهذه العينات الثمينة خزنت بعناية في حاويات محكمة الإغلاق على المسبار، بانتظار مهمة مستقبلية تعيدها إلى الأرض.
لكن المشكلة أن وكالة ناسا ألغت هذه المهمة مؤقتا، ما يعني أن العينات لن تصل إلى مختبرات الأرض لسنوات طويلة قادمة. ولن نعرف على وجه اليقين ما إذا كانت تحتوي على آثار حقيقية لحياة مريخية قديمة إلا بعد دراستها في المختبرات الأرضية.
والاختبار الحاسم لهذه العينات سيكون ما يسمى "معيار نول"، وهو قاعدة صارمة وضعها عالم الأحياء الفلكية أندرو نول، تنص على أنه لكي نعتبر شيئا ما دليلا على وجود حياة، يجب ألا يكون قابلا للتفسير بالعمليات الكيميائية والجيولوجية وحدها، بل يجب أن يكون من المستحيل تفسيره من دون وجود حياة.
المصدر: إندبندنت