في وقت تتزايد فيه أساليب الاحتيال الإلكتروني واستغلال التعاطف الإنساني في جمع الأموال، تتجه المملكة إلى إحكام الرقابة على عمليات جمع التبرعات، عبر قواعد جديدة تستهدف حماية أموال المتبرعين ومنع جمعها بطرق غير نظامية، إلى جانب الحد من مخاطر استغلال القطاع غير الربحي في ممارسات مالية غير مشروعة أو تمويل الإرهاب.
وطرح المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي مشروع «قواعد حوكمة جمع التبرعات» عبر منصة «استطلاع»، لاستقبال المرئيات والمقترحات حتى 10 سبتمبر (أيلول) المقبل، في خطوة تعزز منظومة الضبط والحوكمة المرتبطة بجمع التبرعات، وترفع مستوى الشفافية والامتثال لدى الجهات المرخصة.
إغلاق منافذ الاحتيال وجمع الأموال بطرق غير نظامية
ويضع المشروع إطاراً أكثر إحكاماً لتنظيم عمليات جمع التبرعات، بدءاً من الحصول على الترخيص وانتهاءً بالإعلان عن الحملات واستقبال التبرعات وصرفها، بما يحمي المتبرع من الوقوع ضحية لحسابات أو حملات مجهولة تستغل أسماء الحالات الإنسانية أو الشعارات الخيرية لجمع الأموال.
وكان نظام جمع التبرعات قد أكد أن حوكمة عمليات الجمع وصرفها تهدف إلى حماية منظمات القطاع غير الربحي والمتبرعين من عمليات جمع التبرعات غير النظامية والممارسات المالية غير المشروعة، وضمان توجيه الأموال إلى الأغراض التي جُمعت من أجلها.
وتزداد أهمية هذه الضوابط في ظل مخاطر استغلال قنوات التبرعات في غسل الأموال أو تمويل الإرهاب، وهو ما حذرت منه الجهات السعودية في مناسبات سابقة، مؤكدة ضرورة عدم الاستجابة لطلبات التبرع مجهولة المصدر أو المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واللجوء إلى الجهات والقنوات المعتمدة.
«تبرع بأمان».. خطوة للتحقق قبل الدفع
ومن أبرز أدوات الحماية التي تعززها المنظومة خدمة «تبرع بأمان» التابعة للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، والتي تتيح للمتبرع التحقق من التراخيص وقنوات جمع التبرعات والتسويق وسريانها.
ويستطيع المتبرع الوصول إلى الخدمة من خلال الرابط الموجود في الشاشة الرئيسية للتبرعات أو عبر مسح رمز الاستجابة السريع (QR Code) الموجود في مواقع الجهات والمنصات المختلفة، ثم الاطلاع على تفاصيل الترخيص وقنوات الجمع والإعلان.
ولهذا ألزم مشروع قواعد الحوكمة الجهات المرخصة والمتعاقدين معها بتضمين رمز «تبرع بأمان» في إعلانات الدعوة إلى التبرعات، بما يمنح المتبرع وسيلة مباشرة للتحقق قبل تحويل أمواله.
تبرع داخل القنوات الرسمية
وتؤكد المنظومة السعودية أن الطريق الأكثر أماناً للتبرع هو استخدام المنصات والقنوات الرسمية المرخصة، بدلاً من التحويل إلى حسابات شخصية أو الاستجابة لروابط ورسائل مجهولة المصدر.
ومن أبرز المنصات والقنوات الرسمية التي تتيح التبرع وفق مجالات مختلفة:
منصة ساهم: منصة مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وتتيح التبرع لبرامج المركز داخل المملكة وخارجها، مع التأكيد على أن المركز هو الجهة الوحيدة المخولة باستلام التبرعات الإغاثية والخيرية والإنسانية لإيصالها إلى المستفيدين خارج المملكة.
منصة إحسان: المنصة الوطنية للعمل الخيري، وتوفر فرصاً للتبرع في مجالات خيرية وتنموية متعددة، ضمن منظومة رقمية محكومة.
جود الإسكان: منصة وطنية غير ربحية متخصصة في توفير الحلول الإسكانية للأسر الأشد حاجة، وتشمل فرصها دعم توفير المسكن والإيجار والترميم والشراء.
منصة شفاء: منصة متخصصة في المجال الصحي، وتظهر ضمن القنوات الرسمية التي يمكن التحقق من تراخيصها عبر خدمة «تبرع بأمان».
منصة تبرع: المنصة الوطنية للتبرعات التابعة لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وتوفر وسيلة آمنة وشفافة للوصول إلى المحتاجين.
منصة وقفي: منصة تتيح التبرع للصناديق الوقفية التي تشرف عليها الهيئة العامة للأوقاف، وتظهر بياناتها ضمن خدمة «تبرع بأمان».
جمعية «كلانا»: لديها قنوات تبرع إلكترونية مرخصة، كما توضح الجمعية قنوات ومنصات التبرع المرتبطة بها، ومنها «شفاء» و«وقفي» و«إحسان» و«تبرع».
اشتراطات دقيقة للترخيص والإعلان
ويشدد المشروع على ألا يكون جمع التبرعات نشاطاً مفتوحاً لأي جهة أو فرد، إذ اشترط وجود سند نظامي يجيز للجهة ممارسة النشاط، واستيفاء متطلبات الحوكمة، وعدم وجود مخالفات أو ملحوظات جوهرية خلال العام السابق، إلى جانب الحصول على الموافقات اللازمة وتقديم خطة توضح أهداف جمع التبرعات وتكاليفها.
كما يقيد الترخيص بالغرض أو النشاط المحدد له، ويمنع استخدامه خارج نطاقه أو تعديله دون موافقة المركز.
وفي الإعلانات، يحظر المشروع المحتوى المضلل أو المبالغ فيه أو غير الدقيق، والعبارات التي توحي بضمان الثواب، أو استغلال النصوص الشرعية في غير مواضعها، إلى جانب منع ما قد يسيء إلى العمل الخيري أو يستغل الأطفال في الحملات الدعائية.
حماية المستفيدين ومنع استغلال الحالات الإنسانية
ولا تقتصر الضوابط على حماية الأموال، بل تمتد إلى حماية الأشخاص الذين تُجمع التبرعات لمساعدتهم، إذ تمنع تصوير المستفيدين أو عرضهم بصورة تمس كرامتهم أو تستغل ظروفهم الإنسانية.
كما تنظم استخدام البيانات الشخصية في الرسائل الدعائية، وتشترط موافقة أصحاب البيانات قبل التواصل معهم لهذا الغرض، مع منحهم حق إيقاف استقبال تلك الرسائل.
وتضع القواعد كذلك ضوابط خاصة باستخدام صور الحرمين الشريفين وأسمائهما والرموز والأسماء المقدسة في الحملات الإعلانية، فضلاً عن اشتراط الموافقات اللازمة للتصوير في الحرمين وساحاتهما.
شفافية في المبالغ والمصروفات
ويلزم المشروع الجهات المعلنة بالإفصاح طوال فترة الحملة عن المبلغ المستهدف، والمبلغ المتبقي للوصول إلى الهدف، والتكاليف المالية للحملة، وقيمة الإعلانات أو المصروفات التي تقتطع من التبرعات.
كما يمنع ربط المقابل المالي للجهات التسويقية بنسبة من التبرعات المحصلة، ويقصره على مبلغ مقطوع ومحدد، في محاولة لمنع تضارب المصالح أو تحول الحملات الخيرية إلى نشاط تجاري قائم على نسبة من الأموال المتبرع بها.
التبرعات العينية تحت الرقابة
وتشمل الحوكمة أيضاً التبرعات العينية، إذ تلزم الجهات المرخصة بإصدار إيصالات رسمية، وتوفير مستودعات مؤهلة للتخزين والفرز، والالتزام بالاشتراطات الفنية والصحية.
كما تنظم القواعد استخدام حاويات جمع التبرعات، وتحدد البيانات التي يجب أن تظهر عليها، وتجيز بيع التبرعات العينية غير القابلة للاستخدام بعد موافقة المركز، على أن توجه حصيلة البيع إلى المستفيدين أو لتغطية جزء من تكاليف جمع التبرعات وفق الضوابط.
رسالة للمتبرع: تحقق قبل أن تتبرع
وتختصر هذه المنظومة رسالة واضحة للمتبرعين: التبرع لا يكون عبر رابط مجهول أو حساب شخصي أو حملة غير موثقة، وإنما عبر جهة مرخصة وقناة رسمية يمكن التحقق منها.
ومع توسع أدوات الاحتيال الرقمي، لا يكفي أن تبدو الحملة إنسانية أو أن تحمل صوراً مؤثرة؛ بل ينبغي التأكد من الترخيص ومصدر الحملة وقناة الدفع، والاستفادة من خدمة «تبرع بأمان» قبل إتمام عملية التبرع.
وبذلك لا تستهدف الضوابط الجديدة تنظيم العمل الخيري فحسب، وإنما تسهم في حماية أموال المتبرعين والمستفيدين، وتجفيف منافذ جمع الأموال بطرق غير نظامية، وتقليل فرص استغلال التبرعات في ممارسات مالية غير مشروعة أو لأغراض تمس أمن المجتمع، مع تعزيز الثقة في العمل الخيري عبر قنوات رسمية وموثوقة.