تخطط وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) لإجراء تجربة رائعة في وقت لاحق من هذا العام، حيث تقوم بإشعال حرائق متعمدة على سطح القمر، وهي المرة الأولى التي يتم فيها إجراء مثل هذه التجارب على جرم سماوي آخر.
ما الهدف من ذلك؟ أليس من المفترض أن يكون الحريق أحد أخطر ما يجب تجنّبه في رحلات الفضاء؟ بالفعل، هذا صحيح. إلا أن المهمة الجديدة ليست مبادرة عفوية أو مزحة داخل ناسا، التي تتعامل مع مسألة السلامة من الحرائق بصرامة عالية، وتخضع جميع المواد لاختبارات دقيقة للتأكد من مدى قابليتها للاشتعال قبل اعتمادها للرحلات الفضائية.
لكن اللافت أن جميع هذه الاختبارات تُجرى ضمن ظروف جاذبية الأرض فقط. وتشير دراسات نظرية إلى أن خصائص الاشتعال قد تختلف في بيئات ذات جاذبية أقل أو منعدمة. وفي الوقت نفسه، أظهرت تجارب أُجريت في انعدام الجاذبية أن بعض المواد لا تصل إلى أعلى مستويات قابليتها للاشتعال مقارنة بما يحدث على الأرض.
ووفقًا لتوضيحات ناسا في ورقة بحثية حديثة، فإن مادة تكاد تكون غير قابلة للاشتعال على الأرض قد تصبح قابلة للاحتراق في جاذبية أقل، مثل سطح القمر. ويعود ذلك إلى أن آلية سحب الأكسجين بعيدا عن قاعدة اللهب تبقى قائمة، لكنها تعمل بوتيرة أبطأ، ما يتيح للتفاعلات الكيميائية الاستمرار لفترة أطول ويسمح بتسخين الهواء الداخل بما يكفي لاستمرار الاشتعال.
كما تشير الدراسة إلى أن مواد لا تشتعل في الظروف الأرضية قد تحترق في بيئة انعدام الجاذبية، بشرط توافر تدفق هواء اصطناعي منخفض السرعة. وفي حال كان هذا التدفق دون حد إخماد اللهب، يمكن للمادة أن تحترق فعليًا، وإن كان ذلك بلهب أصغر حجمًا، حتى لو بقيت غير قابلة للاشتعال في الظروف العادية على الأرض.
تجدر الإشارة إلى أن هذه التجارب لا تقتصر على المحطات الفضائية التي تدور حول الأرض، إذ تعتمد ناسا أيضا على وسائل أخرى لمحاكاة بيئة انعدام الجاذبية، من بينها رحلات الطيران ذات المسارات البارابولية المعروفة بـ"مذنب القيء"، إضافة إلى أبراج السقوط الحر التي تتيح تحقيق ظروف مشابهة لانعدام الوزن عبر السقوط الحر القصير.
وفي ظل خطورة الحرائق في بيئة الفضاء، حيث قد تتحول إلى كوارث يصعب السيطرة عليها، تسعى ناسا إلى فهم سلوك المواد بشكل أدق خارج نطاق جاذبية الأرض. ويتركّز اهتمامها على تحديد المواد التي تُعد آمنة وموثوقة على الأرض، لكنها قد تُظهر قابلية للاشتعال عند استخدامها أو نقلها في مهمات فضائية متجهة إلى القمر أو غيره من الوجهات المستقبلية.
لا يُعدّ توليد بيئات انعدام الجاذبية أمرا معقدا من الناحية النظرية، إذ يمكن تحقيقه ببساطة عبر إسقاط الأجسام في حالة سقوط حر. إلا أن محاكاة بيئات الجاذبية الجزئية تمثل تحديا أكبر، لأنها تتطلب الجمع بين السقوط الحر والحركة الدورانية في الوقت نفسه.
وفي تجربة لافتة أشار إليها التقرير، تمكن فريق بحثي من إنشاء بيئة جاذبية جزئية تتراوح بين انعدام الجاذبية و1.5 ضعف الجاذبية الأرضية، وذلك عبر إسقاط جهاز طرد مركزي من برج مخصص للاختبارات. وخلال السقوط، يوفر النظام حالة انعدام وزن مؤقتة، بينما يقوم جهاز الطرد المركزي بتوليد جاذبية اصطناعية يمكن التحكم في شدتها عبر تعديل سرعة الدوران، ما يتيح محاكاة نطاق واسع من ظروف الجاذبية في تجربة واحدة.
ورغم الطابع المبتكر لهذه التجارب وأهميتها العلمية، إلا أنها لا تخلو من محدوديات واضحة. فسواء أُجريت على متن الطائرات المخصصة لمحاكاة انعدام الجاذبية أو عبر وسائل أخرى، فإن مدتها القصيرة لا تسمح برصد تطور اللهب بشكل كامل أو تتبع سلوكه على مدى زمني كافٍ.
كما أن بعض التجارب التي تُنفّذ باستخدام أجهزة طرد مركزي على متن محطة الفضاء الدولية تواجه تحديًا إضافيًا، يتمثل في صِغر نصف قطر الدوران. ويؤدي ذلك إلى ظهور تأثيرات كوريوليس بشكل ملحوظ، ما ينعكس على حركة اللهب ويزيد من تعقيد تحليل النتائج، ويجعل تفسير السلوك الفيزيائي للنار في هذه الظروف أقل يقينا.
تُعد الطريقة الأكثر دقة لاختبار قابلية اشتعال المواد على سطح القمر هي نقلها فعليا إلى هناك وإخضاعها للاحتراق في بيئته الخاصة. وهذا هو النهج الذي تعمل عليه وكالة ناسا من خلال تجربة «قابلية المواد للاشتعال على سطح القمر» (FM2)، والتي تهدف إلى دراسة سلوك المواد مباشرة في الظروف القمرية بدلًا من الاعتماد على المحاكاة الأرضية، وفق تقرير لموقع "iflscience".
ستشمل التجربة، التي يُشير التقرير إلى أنها مُخطط لها في أواخر عام 2026، حرق أربع عينات من الوقود الصلب في جاذبية القمر، بينما تقوم الكاميرات بتسجيل اللهب أثناء انتشاره. ولا يقتصر الأمر على اختبار كل مادة على حدة لمعرفة ما إذا كانت قابلة للاشتعال على سطح القمر، بل يهدف العمل إلى اختبار نماذج قابلية الاشتعال في بيئات ذات جاذبية منخفضة، مما يسمح بتوقعات دقيقة بأن بعض المواد ستصبح أكثر قابلية للاشتعال في بيئات ذات جاذبية منخفضة.
لقد شكل الحريق بالفعل مشكلة خطيرة في الفضاء عدة مرات، وكان أبرزها على متن محطة مير عندما اندلع حريق في نظام توليد الأكسجين في فبراير 1997 ، مما أدى إلى ملء محطة الفضاء بالدخان وقطع الوصول إلى مركبات الهروب سويوز.
وقال رائد الفضاء التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA) راينهولد إيوالد عن الحادث : "كان الحريق هائلاً للغاية، وكان الدخان والبخار المتصاعد من موقع الحريق كثيفاً لدرجة أننا لم نتمكن من الرؤية على مسافة ذراع، ولم أكن أتخيل في ذلك الوقت أننا سنواصل المهمة".
تمكن الطاقم من إخماد الحريق قبل وقوع أي أضرار جسيمة، لكن الوضع بدا خطيرا للغاية في ذلك الوقت.