الشبكة العربية للأنباء
الرئيسية - تكنولوجيا و صحة - هل يتراجع إدمان وسائل التواصل الاجتماعي مثلما حدث مع التبغ؟

هل يتراجع إدمان وسائل التواصل الاجتماعي مثلما حدث مع التبغ؟

الساعة 11:17 مساءً

 

شهد هذا العام سلسلة من العناوين الرئيسية التي تتحدث عن «لحظة التبغ» في وسائل التواصل الاجتماعي، مع توجيه الجهات التنظيمية والمحاكم اهتمامها إلى المنصات التقنية. 

 

 

ومن السهل فهم سبب أمل منتقدي وسائل التواصل الاجتماعي في حدوث نقطة تحول مماثلة لما حدث مع التدخين.

ففي منتصف القرن العشرين، كان ما يقرب من نصف البالغين في الولايات المتحدة يدخنون، لكن بحلول عام 2020، انخفضت النسبة إلى حوالي 13%. مع أهمية ملاحظة أن قصة انخفاض التدخين لم تخلُ من تداعيات سلبية: فقد ظل العديد من أفقر فئات المجتمع مدمنين. فهل ينطبق الأمر نفسه على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؟

كما يقول آلان إم براندت في كتابه الشهير «قرن السجائر»، كان التدخين في الماضي «منتجاً وسلوكاً يتمتعان بجاذبية جماهيرية حقيقية». وفي عام 1925، أعلنت مجلة «ميركوري» الأمريكية أن السجائر أصبحت «السلعة الأكثر انتشاراً بين الناس»، مشيرةً إلى أن «المصرفي وملمع أحذيته غالباً ما يتفقان في تفضيلاتهما في هذا المجال». وبالمثل، كان استخدام وسائل التواصل الاجتماعي واسع الانتشار في عقودها الأولى، إذ لم يكن من المستغرب رؤية نجم هوليوود منغمساً في فيسبوك أو إنستغرام، تماماً كما هو الحال مع مراهق في الحافلة.

لكن عندما بدأ الأكاديميون بربط التدخين بسرطان الرئة، كان خريجو الجامعات أول من تنبه لهذه المعلومة. وتُظهر إحدى الدراسات أن معدلات التدخين بين الأكثر تعليماً في الولايات المتحدة بدأت في الانخفاض في وقت مبكر من عام 1954، بعد فترة وجيزة من نشر أولى المقالات في الصحافة العامة حول هذا الموضوع.

وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، كان هناك تفاوت اجتماعي-اقتصادي واضح في انخفاض معدلات التدخين. ففي عام 1985، نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن امرأة تبلغ من العمر 37 عاماً أنها أقلعت عن التدخين بسبب ضغط الأقران: فقد كانت تتعرض لنظرات استهجان في حفلات العشاء. وقالت لصحيفة وول ستريت جورنال: «قرأتُ مؤخراً أن ثلث الناس ما زالوا يدخنون. أين هم؟ لا أراهم».

وتضمن هذه المادة المنشورة عدة توقعات مختلفة للمستقبل. قال أحد الأكاديميين إن تدخين السجائر، رغم انخفاضه بوتيرة متفاوتة، «سيختفي خلال العشرين إلى الخمسة وعشرين عاماً القادمة». ورأى آخر أن أنماط التدخين ستعزز التفاوت الاجتماعي والاقتصادي. وقال: «أنا مقتنع بأن أمراض التدخين ستصبح ظاهرة طبقية بشكل متزايد».

الآن، نعلم أن التوقع الثاني كان صحيحاً. والتخلص من العادات الإدمانية القوية - أو حتى تجنب اكتسابها من الأساس - يصبح أصعب إذا كان الوصول إلى التعليم والأقران الداعمين والرعاية الصحية محدوداً. في المملكة المتحدة، تزيد احتمالية تدخين الأشخاص في الخمس الأفقر من المناطق المحلية بأكثر من ثلاثة أضعاف ( مع نسبة تصل إلى 22.6%) مقارنةً بالأشخاص في الخمس الأقل فقراً (مع نسبة بحدود 6.6 %).

بينما كانت الحكومة البريطانية تطمح إلى خفض معدلات التدخين إلى 5% أو أقل بحلول عام 2030، حذّر تقرير مستقل صدر عام 2022 من أنه «بدون اتخاذ مزيد من الإجراءات» ستتخلف إنجلترا عن تحقيق الهدف بسبع سنوات على الأقل، ولن تتمكن أفقر المناطق في المجتمع من بلوغه حتى عام 2044.

فهل من الممكن أن يتطور استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بالطريقة نفسها؟ ألاحظ بالفعل أن الدعوة إلى «طفولة خالية من الهواتف الذكية» والحد من وقت استخدام الشاشات يقودها في الغالب آباء من الطبقة المتوسطة، الذين يلتهمون الأبحاث الناشئة التي تربط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بالإضرار بالصحة النفسية للشباب. وهناك أيضاً بعض الأدلة على أن الشباب من خلفيات أقل ثراءً هم أكثر عرضة لتجارب سلبية على وسائل التواصل الاجتماعي.

مع ذلك، ثمة اختلافات جوهرية بين التدخين ووسائل التواصل الاجتماعي. وأحد أهم العوامل التي تحدد ما إذا كان الشخص مدخناً هو تاريخ تدخين والديه. أما فيما يخص وسائل التواصل الاجتماعي، فلا أرى (حتى الآن) دليلاً يُذكر على تخلي الآباء عن عاداتهم في استخدامها، حتى وإن كانوا يفرضون قيوداً على أبنائهم.

قد يكون هذا منطقياً: فالتدخين خطر على الجميع، بينما طبيعة خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي هي التكيف مع كل مستخدم. صحيح أن بعض البالغين قد ينغمسون في مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن الشخص البالغ المدمن على فيديوهات القطط ربما لا يُخاطر إلا بإضاعة وقته وجهده.