في اكتشاف علمي مفاجئ، تمكن باحثون من جامعة بار إيلان الإسرائيلية من تحويل إناث الفئران إلى ذكور كاملة، بمجرد تغيير حرف واحد فقط في الحمض النووي.
وكشفت الدراسة التي نشرت في مجلة Nature Communications، أن إدخال حرف واحد في منطقة تنظيمية غير مشفرة من الحمض النووي كان كافيا لتحول الفئران التي تحمل الكروموسومات الأنثوية XX إلى ذكور، مع تطور خصيتين وأعضاء تناسلية ذكرية بالكامل.
وما يجعل هذا الاكتشاف مذهلا هو أن الطفرة لم تحدث داخل جين مسؤول عن صنع بروتين، بل في جزء بعيد من الحمض النووي كان يعتقد سابقا أنه "غير مهم". وهذا الجزء، الذي يشكل 98% من الجينوم، لا يصنع بروتينات لكنه يتحكم في متى وكيف يتم تشغيل الجينات وإيقافها.
ويقول الدكتور نيتسان غونين، من كلية غودمان لعلوم الحياة ومعهد تكنولوجيا النانو والمواد المتقدمة في جامعة بار إيلان، إن تغيير حرف واحد فقط من بين نحو 2.8 مليار حرف كان كافيا لإحداث هذا التحول الدراماتيكي، ما يثبت أن الحمض النووي غير المشفر له تأثير عميق على التطور والمرض.
واستهدفت الطفرة عنصرا تنظيميا يسمى Enh13، وهو المسؤول عن التحكم في جين Sox9، وهو الجين الضروري لتكوين الخصيتين. ولكي تتكون المبايض بشكل طبيعي في الإناث، يجب إبقاء هذا الجين في حالة إيقاف تام.
ويعمل Enh13 كمفتاح جزيئي مزدوج الدور: في الذكور، ترتبط به عوامل تنشط جين Sox9 لتكوين الخصيتين. أما في الإناث، فترتبط به عوامل أخرى تقوم بتثبيط الجين نفسه. وعندما أدخل الباحثون الطفرة باستخدام تقنية "كريسبر"، فشلت آلية التثبيط الأنثوية، ما أدى إلى تنشيط جين Sox9 في الفئران الأنثوية، فتكونت الخصيتان وتطورت الأعضاء الذكرية بالكامل.
وهذه ليست المرة الأولى التي يكتشف فيها الفريق مفاجآت من هذا العنصر التنظيمي. ففي دراسة سابقة لهم عام 2024، أظهروا أن طفرات صغيرة أخرى في نفس المنطقة يمكن أن تفعل العكس تماما، أي تحول ذكور الفئران XY إلى إناث. وهذا يعني أن Enh13 له وجهان: يعمل كمعزز للذكورة عندما يكون نشطا، ولكن يجب إيقافه تماما لكي تنمو الأنثى بشكل طبيعي.
وإلى جانب الأهمية العلمية الأساسية، قد يكون لهذا الاكتشاف تطبيقات طبية مهمة. فهناك حالة تعرف باسم "اختلافات النمو الجنسي" تصيب نحو طفل واحد من كل 4000 مولود حول العالم، حيث يكون النمو الجنسي غير مطابق للكروموسومات. وأكثر من نصف هذه الحالات ما يزال من دون تشخيص جيني، حتى بعد فحص الأجزاء المشفرة من الحمض النووي.
وتقول إليشيفا أبيربوك، طالبة الدكتوراه التي قادت البحث، إن النتائج تثبت أن النظر إلى الجينات فقط ليس كافيا، فالطفرات المسببة للأمراض قد تكون مختبئة في المناطق غير المشفرة من الحمض النووي التي تتحكم في نشاط الجينات وليس في صنع البروتينات.
ويعتقد الباحثون أن Enh13 هو مجرد البداية، وأن العديد من المناطق التنظيمية الأخرى في الحمض النووي غير المشفر قد تكون متورطة في تحديد الجنس واضطرابات النمو الأخرى، وهم يعملون الآن على تحديد هذه المناطق بشكل منهجي واختبار وظيفتها.
المصدر: eurekalert.