2026/11/07
سجالات سعودية تفكك الظاهرة الحوثية

 

أسبوع سعودي حافل بالنقاشات والحوارات والسجالات حول الأحداث الراهنة في المنطقة التي تمر بأحد أكثر فصولها تعقيدًا وخطورة. فلا صوت يعلو فوق صوت السياسة وأسئلة الحرب والسلام، بعد أن وجدت الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة وبقية أخواتها من درر المدن السعودية نفسها فجأة في صدارة نشرات الأخبار وأشرطة العواجل بمختلف القنوات الإقليمية والعالمية.

 

مستجدات وتطورات كبرى صاحبها حراك فكري وإعلامي لافت، يرصد ويتابع ويحلل ويناقش، في ظاهرة حيوية تعكس حجم التفاعل مع الأزمة المعقدة التي وصلت شظاياها إلى أقاصي الأرض شرقًا وغربًا.

 

وبينما لا تزال نيران الحرب تستعر ويشتد أوارها، تتمدد الحوارات والنقاشات الفكرية من الحرب الأميركية الإيرانية إلى المواجهة السعودية الحوثية، مرورًا بالاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل وأميركا.

 

سجالات متجددة أعاد التصعيد العسكري الأخير طرحها، خصوصًا ما يتصل بالمشروع الحوثي الذي تحول إلى طرف مؤثر في معادلات الأمن الإقليمي، بعد وضع يده على تركة الدولة اليمنية بترسانتها العسكرية ومواردها المتنوعة، مسنودًا بدعم إيراني واسع، ليشكل بكل ذلك ذراعًا يهدد المنطقة والعالم برمته.

 

حوارات نوعية لافتة

بين كل الحوارات والنقاشات على مختلف المنصات، تميزت ثلاثة حوارات مطولة في قراءة الظاهرة الحوثية وتفكيك مفرداتها من زوايا مختلفة، بداية من جذورها الفكرية والتاريخية، مرورًا بتحولاتها وتطورها، وحتى مستقبلها ومآلاتها.

 

أول تلك الحوارات كان مع الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية الدكتور هشام الغنام عبر منصة «اليمن بودكاست»، وثانيها مع الكاتب السياسي عبدالرحمن الراشد عبر بودكاست «سقراط»، فيما كان أحدثها عبر بودكاست «الكلام خليجي» للزميل ماجد إبراهيم، مع الكاتب والصحفي السعودي مشاري الذايدي.

 

ورغم اختلاف المداخل في الحوارات الثلاثة، فإنها تتقاطع جميعًا في التحذير من الاستهانة بالحوثيين أو اختزال قوتهم في الدعم الإيراني وحده، فيما تتباين تقديرات أصحابها لطبيعة العلاقة بين الحوثيين وطهران، ومدى استقلال قرارهم، والشروط اللازمة لإنهاء تهديدهم.

 

جذور الحوثية

يتتبع الكاتب مشاري الذايدي، في حواره مع بودكاست «الكلام خليجي»، الجذور التاريخية والمذهبية للظاهرة الحوثية، مستعرضًا التحولات التي نقلتها من النشاط الثقافي إلى التمرد المسلح الذي وصلت من خلاله إلى العاصمة اليمنية صنعاء.

 

 

ويربط الذايدي نشأة الحركة الحوثية بالبيئة الزيدية في شمال اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي، في سياق تنافسي مضاد لتنامي النشاط السلفي، خصوصًا في منطقة دماج بصعدة بقيادة الشيخ مقبل الوادعي.

 

قبل أن يبزغ نجم حسين بدر الدين الحوثي، الذي انتقل بهذا التنافس المذهبي إلى العمل السياسي والنيابي، ومن ثم قيادة التمرد المسلح، في مسار تداخل مع «الرقصات الثعبانية» للرئيس الراحل علي عبدالله صالح، الذي يرى الذايدي أنه أتاح للحركة فرصًا للنمو ضمن سياسة صالح لإدارة التوازنات بين القوى الدينية والقبلية في اليمن.

 

لكن الذايدي يميز بين حداثة الظاهرة الحوثية وقدم المرجعية المذهبية التي تستند إليها، متوقفًا عند العلاقة بين الزيدية والجارودية والتشيع الاثني عشري، وما بينها من تقاطعات واختلافات في مفهوم الإمامة والسلطة، لافتًا إلى تمثيل الحوثيين للأنموذج الأكثر تطرفًا من الجارودية الزيدية، وفق قراءته.

 

ويطرح في هذا السياق قراءة تاريخية يرى فيها أن بعض المفاهيم السياسية التي تبنتها الخمينية لها نظائر أقدم في التراث الزيدي، وأن التأثير الفكري لم يكن بالضرورة في اتجاه واحد من إيران إلى اليمن.

 

ثم ينتقل الذايدي من تاريخ الأفكار إلى تفسير البنية الاجتماعية للحركة الحوثية، عبر التمييز بين ما يسميه «الحوثي» و«المتحوث»، إذ يشير إلى تركيبة معقدة للمشروع الحوثي تتكون من دوائر متفاوتة في الولاء؛ تتوسطها نواة عقائدية صلبة ترتبط بالقيادة السلالية ومشروعها السياسي والديني، وتحيط بها دوائر من الحلفاء والمنتفعين وشيوخ القبائل، وصولًا إلى فئات تخضع لسلطة الأمر الواقع بدافع الحاجة أو الخوف.

 

ومن هنا يفسر قدرة الحوثيين على استقطاب شخصيات وقوى لا تشاركهم معتقداتهم، بما فيها اشتراكيون ومؤتمريون وسلفيون، مستفيدين من المصالح والخصومات المحلية، ومن خطاب سياسي يتجاوز حدود انتمائهم المذهبي.

 

وهذا التمييز يكشف جانبًا مهمًا من طبيعة القوة الحوثية؛ فليس كل من يقاتل مع الحوثيين مؤمنًا بمشروعهم العقائدي، كما أن اتساع نفوذهم لا يعني بالضرورة اتساع قاعدتهم الفكرية بالقدر نفسه.

 

ويخلص الذايدي إلى أهمية فهم الحوثيين من داخل بنيتهم العقائدية والاجتماعية، منتقدًا غياب مراكز الدراسات المتخصصة في مثل هذه الملفات المهمة والمعقدة، ومحذرًا من أن قصور المعرفة بطبيعة الخصم قد يقود إلى أخطاء في تقدير قوته وسلوكه.

 

من ميليشيا إلى كيان هجين

في قراءته للظاهرة الحوثية، ينطلق الباحث في الشؤون الاستراتيجية الدكتور هشام الغنام، في حواره مع «اليمن بودكاست»، من التوصيف الاصطلاحي للحوثيين، إذ يرى أن وصفهم بالميليشيا لم يعد كافيًا لتفسير واقعهم، بعدما استولوا على مؤسسات الدولة اليمنية وأصبحوا يديرون أجهزة أمنية وإدارية، ويحصّلون الضرائب والإيرادات، ويسيطرون على مرافق وموانئ، إلى جانب امتلاكهم الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

 

 

ومن هنا يصف الغنام الحوثيين بأنهم «كائن هجين» يجمع بين خصائص الميليشيا وخصائص الدولة، لافتاً إلى تحفظه على تسميتهم ب «سلطة أمر واقع»، باعتبار أن هذه التوصيفات لا تعكس كامل طبيعة الكيان الذي تشكل في مناطق سيطرتهم.

 

ويستعين الغنام بنظرية من علم الاقتصاد السياسي تميز بين «اللص المتجول» و«اللص المستقر»، ليشرح كيف تحول الحوثيون من ميليشيا مسلحة إلى سلطة تمتلك منظومة حكم وموارد وقيادات موازية.

 

فالحوثيون، وفق هذا التصور، لم يعودوا مجرد ميليشيا تنتقل بسلاحها من منطقة إلى أخرى، وإنما أصبحوا مرتبطين بمؤسسات ومصالح اقتصادية وسياسية، وهو ما يجعل تفكيك سلطتهم أكثر تعقيدًا من القضاء على تنظيم مسلح محدود.

 

لكن هذه الطبيعة الهجينة تحمل مفارقة أخرى؛ فالسيطرة على مؤسسات الدولة ومواردها، وإن منحت الحوثيين أدوات إضافية للبقاء، فإنها جعلتهم أيضًا عرضة لأنواع من الضغوط التي تتأثر بها الدول، بما في ذلك تعطيل الموارد ومنافذ الإمداد.

 

ويضع الغنام هذه التحولات في سياق استراتيجي أوسع، حيث اكتسب الحوثيون أهمية متزايدة بفعل موقعهم قرب مضيق باب المندب، وقدرتهم على تهديد الملاحة الدولية وفرض تكاليف اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود اليمن.

 

كما يرى أن استمرار الحوثيين وتطور قدراتهم العسكرية لا يمكن تفسيرهما بالدعم الإيراني وحده، وإنما أيضًا بما راكموه من موارد وخبرات خلال السنوات الماضية.

 

وفي قراءته للعلاقة مع طهران، يستخدم الغنام مفهوم «الحلف غير المتكافئ»، معتبرًا أن الحوثيين ليسوا مجرد أتباع لإيران، ولا حلفاء متكافئين معها في القوة والنفوذ. ويرى أن تطور قدراتهم الذاتية قد يغير تدريجيًا موازين هذه العلاقة، ويمنحهم هامشًا أوسع من الاستقلالية، دون أن يعني ذلك انتهاء اعتمادهم على الدعم الإيراني.

 

خيارات الحرب والسلام

في حواره المطول مع بودكاست «سقراط»، استعرض الكاتب عبدالرحمن الراشد حسابات الرياض في التعامل مع الملف اليمني، والتحولات التي أعادت المواجهة العسكرية إلى الواجهة.

 

فالراشد يرفض اعتبار تجربة التهدئة خطأً لمجرد أنها لم تحقق النتائج المرجوة، ويرى أن اختبار فرص السلام كان ضرورة سياسية، حتى مع وجود شكوك بشأن نوايا الحوثيين، لافتًا إلى أهمية الاستعداد لأسوأ الاحتمالات مع تمني حدوث أفضلها.

 

وفي هذا السياق، يشير إلى تفويت عبدالملك الحوثي فرصة الاندماج الطبيعي في المحيط الإقليمي والعالمي، مستشهدًا بتجربة أحمد الشرع الذي انتقل من قيادة جبهة النصرة إلى رئاسة الدولة السورية.

 

ومن خلال هذه المقارنة، يرى الراشد أن المشكلة لا تكمن في الأصول المذهبية أو العائلية للحوثيين، ولا في وجودهم بوصفهم مكونًا من مكونات البيئة اليمنية، وإنما في طبيعة مشروعهم السياسي والعسكري والخيارات التي اتخذتها قيادتهم.

 

وفي تفسيره لتعثر التفاهمات، يذهب الراشد إلى أن الحوثيين تحولوا إلى وكيل إيراني على غرار حزب الله اللبناني، بعدما ارتبطت قدراتهم العسكرية والأمنية بالدعم والخبرات القادمة من طهران وحلفائها.

 

ويميز في هذا السياق بين الحليف الذي يحتفظ باستقلال قراره، والوكيل الذي تصبح خياراته مقيدة بمصالح الطرف الداعم، معتبرًا أن حجم الاعتماد الحوثي على إيران جعل القدرة على مخالفة توجهاتها محدودة، وهو ما يزيد صعوبة التوصل إلى تفاهم مستقر مع الحوثيين.

 

لكن الراشد، رغم انتقاده لخيارات الحوثيين، يحذر من الاستهانة بقدراتهم القتالية، معترفًا بأنه راجع تقديرًا سابقًا كان يميل فيه إلى تفسير تقدمهم بضعف خصومهم أكثر من قوتهم الذاتية.

 

وفي المقابل، يشدد على أهمية المحافظة على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، باعتبارها إطارًا سياسيًا وقانونيًا لا يمكن الاستغناء عنه في إدارة المواجهة واستعادة مؤسسات الدولة.

 

ويمتد حديثه إلى القضية الجنوبية، حيث يدعو إلى معالجة مطالب الانفصال في مرحلة لاحقة عبر مسارات سلمية وقانونية، مستشهدًا بتجربة تشيكوسلوفاكيا التي انتهت بانفصال سلمي إلى دولتين، ومحذرًا من أن فرض التحولات السياسية بقوة السلاح قد يفتح جبهات جديدة ويضعف فرص مواجهة الحوثيين.

 

مستقبل المواجهة مع الحوثيين

أما عن مستقبل المشروع الحوثي، فيرى الراشد حتمية سقوطه وانهياره، دون وضع حدود زمنية لهذا الأمر، معللًا تلك الحتمية بطبيعة المشروع الذي يضعه في مواجهة غالبية الشعب اليمني، قبل أن يكون في مواجهة السعودية وبقية المجتمع الدولي، حتى وإن تأخرت تلك المواجهة.

 

فيما يدعو الذايدي إلى التعامل مع الحوثيين بوصفهم تهديدًا يتجاوز اليمن، متسائلًا عن غياب تحالف دولي واسع لمواجهتهم على غرار التحالف الذي تشكل ضد تنظيم داعش.

 

ويستند في طرحه إلى امتلاك الحوثيين صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة قد تصل إلى مدى أبعد يهدد حتى الدول الأوروبية، بالإضافة إلى قدرتهم على تهديد الممرات البحرية.

 

أما الغنام، فيؤكد أن الحرب الحالية تمثل مرحلة مفصلية، مشددًا على أهمية «التمرحل» في مواجهة الحوثيين، والتمييز بين إنهاء وجودهم بالكامل وإنهاء قدرتهم على تهديد اليمن والإقليم.

 

فالمعيار الأساسي لديه لأي تسوية مستقبلية هو ألا يمتلك الحوثيون قدرات عسكرية تمكنهم من تهديد الدول المجاورة أو الاستمرار في الاعتداء على اليمنيين.

 

استمرار السجالات

وفيما تدخل الحرب أسبوعها الرابع منذ الإعلان عن بدء عملية «فجر اليمن»، تتواصل النقاشات والسجالات على هامشها، كما في الحوارات الثلاثة التي تناولها هذا التقرير وما تمخض عنها من نقاشات أخرى، أخذ بعضها اتجاهات مختلفة وحادة، في ظاهرة حيوية تفتح آفاقًا أوسع للمزيد من التفكيك والتقميش للظاهرة الحوثية، من نشأتها وتحولاتها إلى مستقبلها ومآلاتها.

 

 

تم طباعة هذه الخبر من موقع الشبكة العربية للأنباء https://www.arabnn.news - رابط الخبر: https://www.arabnn.news/news89852.html