أثار تصريح جديد للحرس الثوري الإيراني بشأن تقليد الولايات المتحدة للمسيّرة "شاهد 136" جدلاً حول الأصول الحقيقية للطائرة، بعدما قدمت طهران الخطوة الأميركية باعتبارها دليلاً على تفوق صناعاتها العسكرية.
لكن دراسات عسكرية غربية تكشف أن التصميم الأساسي للمسيّرة الإيرانية يعود إلى مشاريع ألمانية وإسرائيلية سبقت ظهور "شاهد" بعقود.
وكان المتحدث باسم الحرس الثوري قد وصف تطوير الولايات المتحدة مسيّرة مشابهة لـ"شاهد 136" بأنه تحول تاريخي يؤكد انتقال إيران من استيراد الأسلحة إلى تصدير التكنولوجيا العسكرية. واستشهد بالمسيّرة الأميركية "LUCAS"، معتبراً أنها دليل على انتشار النموذج الإيراني عالمياً.
جذور ألمانية وإسرائيلية
وبحسب دراسة نشرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية "IISS" في فبراير 2024، تعود جذور هذا التصميم إلى مشروع ألماني حمل اسم "DAR"، طورته شركة "دورنييه" خلال ثمانينيات القرن الماضي لإنتاج طائرة انتحارية تستهدف رادارات الدفاع الجوي.
واعتمد المشروع على جناح مثلثي، وزعانف طرفية، ومحرك بمروحة دافعة في الخلف، مع إمكانية إطلاق الطائرة من حاويات مثبتة على مركبات.
المسيّرة الألمانية «Dornier DAR» المضادة للرادارات، التي طُورت خلال ثمانينيات القرن الماضي، وتمثل مرحلة مبكرة في تطور تصميم المسيّرات الانتحارية.
وظهرت لاحقاً المسيّرة الإسرائيلية «Harpy»، التي طورتها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، بتصميم مشابه إلى حد كبير.
وتشير دراسة نشرها الباحث دان غيتينغر عام 2023 إلى أوجه التشابه الهندسي بين المشروعين، وإن كانت الأدلة المتاحة لا تحسم كيفية انتقال التصميم أو تفاصيل التعاون المحتمل بين الجهات المطورة.
وكانت «Harpy» مصممة لتعقب إشارات الرادارات المعادية ومهاجمتها، قبل ظهور النسخ الإيرانية بسنوات طويلة.
المسيّرة الإسرائيلية «Harpy» المضادة للرادارات، التي تمثل مرحلة مهمة في تطور التصميم الذي استندت إليه لاحقاً المسيّرات الإيرانية.
ووفق دراسة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية صدرت في مارس 2026، استنسخت إيران تصميم المسيّرة الإسرائيلية خلال العقد الماضي، وطورت منه «شاهد 131» بعد تزويدها بنظام ملاحة يعتمد على الأقمار الاصطناعية.
ثم وسعت التصميم وأضافت محركاً أقوى وحمولة أكبر، لتظهر «شاهد 136» بعيدة المدى.
ويؤكد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي «CSIS» هذا التسلسل، موضحاً أن إيران احتفظت بالهيكل الأساسي، مع تغيير أنظمة التوجيه وطبيعة المهمة.
رسم توضيحي يقارن بين المسيّرة الألمانية «DAR» والإسرائيلية «Harpy» والإيرانية «شاهد 136» والروسية «Geran-2»، وهي النسخة الروسية المطوّرة من المسيّرة الإيرانية.
فبينما تبحث «Harpy» عن إشارات الرادارات، تتجه «شاهد 136» إلى أهداف محددة مسبقاً باستخدام أنظمة الملاحة.
ولا تقتصر الجذور الأجنبية على الهيكل، إذ تستخدم «شاهد 136» محركاً إيرانياً مشتقاً من تصميم ألماني، فيما يستند محرك «شاهد 131» إلى تصميم بريطاني.
لماذا قلدتها واشنطن؟
وفي ديسمبر 2025، أعلنت القيادة المركزية الأميركية تشكيل وحدة لتشغيل مسيّرات هجومية منخفضة التكلفة من طراز «LUCAS».
ونقلت مجلة «The War Zone» عن مسؤول أميركي أن الولايات المتحدة حصلت على مسيّرة إيرانية من طراز «شاهد»، وأخضعتها للفحص والهندسة العكسية قبل تطوير النموذج الأميركي.
وتشير تقارير إلى أن تكلفة المسيّرة الأميركية تبلغ نحو 35 ألف دولار.
المسيّرة الأميركية «FLM-136 LUCAS»، التي تتشابه في تصميمها العام مع المسيّرة الإيرانية «شاهد 136»، وتُستخدم في الهجمات منخفضة التكلفة.
لكن الاستفادة من تصميم إيراني لا تعني بالضرورة أن إيران ابتكرت معالمه الهندسية الأساسية، أو أن واشنطن أقرت بتفوق طهران في مجمل التكنولوجيا العسكرية.
وفي المقابل، لا تنفي الجذور الأجنبية نجاح إيران في تطوير نموذج منخفض التكلفة، قابل للإنتاج بأعداد كبيرة.
وقد امتد انتشار «شاهد 136» إلى روسيا، التي بدأت تسلم المسيّرات الإيرانية عام 2022، قبل تطوير نسخ محلية منها تحت اسم «غيران-2» واستخدامها في الحرب ضد أوكرانيا.
كما تحدث الحرس الثوري عن تصدير منظومات أخرى، بينها المسيّرة «358» ومنظومة «خرداد 3»، لكن تحديد حجم هذه الصادرات ووجهاتها يتطلب أدلة مستقلة.
وهكذا، تكشف قصة «شاهد 136» عن سلسلة طويلة من الاقتباس والتطوير العسكري، بدأت بتصاميم أوروبية، ومرت بإسرائيل وإيران، وصولاً إلى الولايات المتحدة وروسيا.
فنجاح طهران في إنتاج المسيّرة ونشرها لا يلغي جذورها الأجنبية، تماماً كما أن تطوير واشنطن نموذجاً مشابهاً لا يمثل وحده اعترافاً بتفوق التكنولوجيا الإيرانية.
