2026/02/19
مفاجأة حول سد النهضة.. تسرب 41 مليار متر مياه وهبوط أرضي بعمق 40 ميللمتر

ما زال سد النهضة الإثيوبي يثير الغموض بل والقلق حول مستقبله ومصيره، وكذلك تطورات العلاقة بسببه بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى.

وخلال الأيام الماضية نشرت جامعة كبرى في أميركا بحثاً يتناول تقييم المخاطر المحتملة المرتبطة بسد السرج المساعد الخاص بالسد الإثيوبي.

وقام فريق علمي يضم ممثلين من مصر والصين والهند وأميركا ونيبال بالمشاركة في البحث الذي فجر مفاجأة كبيرة، وهي أن سد السرج يحتجز الجزء الأكبر من التخزين الحي لسد النهضة، وبالتالي فإن أي خلل محتمل فيه قد تكون له آثار كبيرة ممتدة عابرة للحدود.

صور بالأقمار الصناعية لسد النهضة - فبراير 2026

صور بالأقمار الصناعية لسد النهضة - فبراير 2026

تسرب مياه وهبوط بأرضية السد

وكشف البحث عن ملاحظة أنماط نشاط زلزالي مرتبطة مكانياً بفوالق قائمة في محيط السد، فيما كانت المفاجأة الأكبر هي تقدير وجود تسرب للمياه الجوفية من بحيرة السد في حدود 41 مليار متر مكعب خلال فترات ملء الخزان، مع رصد وجود هبوط في أرضية السد يصل إلى نحو 40 ميللمتر وظهور مناطق مياه غير متوقعة بمحاذاة سد السرج، ما قد يشير وفق تفسير البحث إلى مسارات تسرب أو رشح تستلزم تحقيقاً عاجلاً.

وفي تصريحات خاصة لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت"، قال الدكتور هشام العسكري أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار عن بعد بـ"جامعة تشابمان" بكاليفورنيا بأميركا، والذي شارك مع فريق البحث في إعداد الدراسة، إن سد السرج يعد الركيزة الأساسية لمشروع سد النهضة، حيث لا تقتصر وظيفته على كونه سداً مساعداً، بل هو المسؤول عن احتواء 89% من السعة التخزينية الحية للخزان، موضحاً أن السد يمتد بطول خمس كيلومترات وارتفاع 50 متراً، وبدونه لا يمكن لإثيوبيا الوصول إلى منسوب التخزين المستهدف وهو 74 مليار متر مكعب.

تعقيدات جيولوجية

وكشف الدكتور هشام أن خطورة هذا السد تكمن في كونه مبنياً من الركام الصخري في منطقة تتميز بتعقيدات جيولوجية وتراكيب إنشائية حساسة، موضحاً أن الدراسة اعتمدت على دمج تقنيات استشعار عن بعد متقدمة وبيانات فضائية عالية الدقة تشمل بيانات لرصد التغيرات في كتلة المياه الجوفية وإزاحة السطح، وتقنية متقدمة لقياس الهبوط الأرضي والتغيرات الهيكلية بدقة الميللمتر، ونموذج للمحاكاة الهيدرولوجية وتقدير كميات التسرب والتحليل الزلزالي لربط عملية ملء الخزان بالنشاط التكتوني والبركاني في المنطقة.

وأضاف أن النتائج كشفت عن وجود "نقاط ضعف هيكلية" أدت لتسرب كميات ضخمة من المياه من قاع الخزان إلى الطبقات الجوفية والصدوع الجيولوجية المحيطة، حيث قدرت كمية التسرب بنحو 41 زائد أو ناقص 6.2 مليار متر مكعب خلال مراحل الملء، مشيراً إلى أن هذا التسرب لا يقلل من كفاءة تخزين المياه فحسب، بل يعمل على تآكل الأساسات الصخرية للسد ويزيد من احتمالات الانهيار الداخلي.

سد النهضة (آيستوك)

سد النهضة (آيستوك)

"خطورة قصوى"

وتابع أستاذ "علوم الاستشعار عن بعد" أن التقنيات الرادارية رصدت وجود هبوط أرضي غير منتظم يصل إلى 40 ملم في أجزاء من سد السرج، وهذا الهبوط يمثل خطورة قصوى لأن عدم استواء الضغط على هيكل السد الركامي يؤدي إلى تشقق "الواجهة المانعة للتسرب" وهو البيتومين، مما يفتح مسارات جديدة لترشيح المياه ويهدد السلامة الإنشائية للسد على المدى الطويل.

وبحسب الدكتور هشام فقد سجلت الدراسة نشاطاً زلزالياً غير طبيعي تزامن مكانياً وزمانياً مع عمليات ملء الخزان، فيما أشار تحليل الانحدار اللوجستي إلى أن الحمولات الهيدرولوجية الهائلة وهي وزن المياه المخزنة، بدأت تحفز أنظمة الصدوع والفوالق الموجودة في المنطقة، موضحاً أن هذا النشاط الزلزالي المرتبط أيضاً بالنشاط البركاني الإقليمي، يزيد من مخاطر حدوث انزلاقات أرضية أو انهيارات فجائية تحت وطأة الضغط المائي للخزان.

وأجرت الدراسة بحسب ما يؤكد الدكتور العسكري، نماذج محاكاة لسيناريو "انهيار سد السرج"، وأظهرت النتائج عواقب كارثية ففي السودان مثلاً سيواجه الإقليم فيضانات غير مسبوقة تكتسح مدناً كاملة على ضفاف النيل الأزرق، مع احتمال تدمير السدود السودانية مثل سد الروصيرص وسنار نتيجة الموجة الفيضانية الهائلة.

تهديد حياة الملايين في مصر

أما في مصر فستتأثر المنشآت المائية والبنية التحتية، مع تهديد مباشر لحياة الملايين في اتجاه مجرى النهر، وأضاف أن الآثار البيئية ستشمل كذلك تدمير كامل للنظم البيئية والزراعية في حوض النيل نتيجة التدفق الفجائي والمحمل بالرواسب والحطام الركامي للسد المنهار.

وأكد الدكتور العسكري أن الدراسة خلصت إلى أن سد النهضة وتحديداً "سد السرج"، يواجه تحديات تقنية وجيولوجية لم يتم الإفصاح عنها أو معالجتها بشكل كافٍ في التقارير الإنشائية الأولية، فيما أوصت الدراسة بضرورة إيجاد إطار عمل دولي ومستقل لرصد المخاطر الجيولوجية والزلزالية للسد بشكل مستمر وتحديث بروتوكولات سلامة السدود العالمية لتشمل تقييمات المخاطر المتعددة في السدود العابرة للحدود.

 

 

وقال إن المنطقة المحيطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير تواجه مخاطر متزايدة من الكوارث الجيولوجية الناجمة عن الأحمال الهيدرولوجية المتوقعة.

وكانت صور حديثة التقطتها الأقمار الصناعية قد كشفت عن تعثر تقني وتذبذب في معدلات تشغيل سد النهضة، وأظهرت أحدث البيانات والصور الرادارية أن سد النهضة يمر بمرحلة تشغيل "ضعيفة" منذ إعادة تفعيل بعض توربيناته في نوفمبر الماضي، عقب توقف كامل استمر لأسابيع.

ويثير ملف سد النهضة خلافاً بين مصر والسودان وإثيوبيا، حيث تتمسك القاهرة بموقف ثابت مفاده أن نهر النيل هو "قضية وجودية" لا تقبل المساومة.

ورغم انخراط مصر في مفاوضات لأكثر من عقد، إلا أنها اصطدمت بـ "التعنت الإثيوبي" والمراوغة في الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم يحكم قواعد ملء وتشغيل السد، خاصة في سنوات الجفاف والجفاف الممتد، وهو ما دفع القاهرة لإعلان توقف المسار التفاوضي في ديسمبر 2023 مع الاحتفاظ بحقها في حماية أمنها المائي بكافة الوسائل.

تم طباعة هذه الخبر من موقع الشبكة العربية للأنباء https://www.arabnn.news - رابط الخبر: https://www.arabnn.news/news80923.html