2026/02/15
العودة إلى غزة… حكاية شعب يعانق الركام تثير استغراب العالم وغضب إسرائيل

 

 

على امتداد الطريق المؤدي إلى معبر رفح، تتراكم الحافلات كما تتراكم القصص.. وجوه شاحبة أنهكها الانتظار، وأياد تتشبث بحقائب صغيرة تختصر سنوات من الغياب.

هنا، لا تبدو العودة مجرد انتقال جغرافي، بل فعل مقاومة صامتاً، وإعلان تمسك بأرض يصفها أهلها ببساطة: "أرضنا… حتى لو صارت ركاما".

منذ إعادة فتح المعبر بشكل محدود مطلع فبراير، تحولت رحلة العودة إلى قطاع غزة إلى مسار طويل من الانتظار والتحقيق والإجراءات المعقدة. ورغم ذلك، تتزايد أعداد المسجلين للعودة، في مشهد يثير استغراب العالم وغضب إسرائيل في آن واحد. فبينما تسعى تل أبيب، وفق تقارير حقوقية، إلى تضييق الخناق على العابرين وفرض قيود مشددة، يصر الفلسطينيون على الرجوع، ولو إلى خيمة منصوبة فوق أنقاض منزل.

سيدة تعانق أحد أحفادها بعد وصولهم مع والدتهم بعد أن سمح لهم بدخول غزة عقب إعادة فتح معبر رفح / AP

تفيد بيانات رسمية في غزة بأن مئات فقط تمكنوا من العبور خلال الأيام الأولى من تشغيل المعبر، في وقت تشير فيه التقديرات إلى وجود عشرات الآلاف ممن سجلوا أسماءهم للعودة، معظمهم يؤكد أن الخروج كان اضطراريا لا اختياريا.

العائدون يروون مسارا معقدا يمر عبر عدة نقاط تفتيش، تبدأ من الجانب المصري ولا تنتهي إلا بعد سلسلة إجراءات أمنية مطولة. شهادات متطابقة تحدثت عن تحقيقات قاسية، ومصادرة مقتنيات، وأحيانا تعصيب أعين وتقييد أيد، إضافة إلى ضغوط نفسية استمرت لساعات.

 

ووفق ما أورده مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تقرير حديث، فإن بعض العائدين أفادوا بتعرضهم لمعاملة مهينة، وعرض أموال عليهم مقابل عدم العودة أو التعاون كمخبرين. واعتبر المكتب أن هذه الممارسات، إن ثبتت، تمثل انتهاكا للكرامة الإنسانية وتقوض حق العودة الآمنة.

فلسطينيون يحملون أمتعة أقاربهم القادمين إلى غزة من مصر بعد إعادة فتح معبر رفح . / AP

وتقول مؤسسات حقوقية إن القيود المشددة والأعداد المحدودة المسموح لها بالعبور تعكس سياسة ردع تهدف إلى تقليص العودة، في ظل مخاوف إسرائيلية من تكريس واقع ديمغرافي ثابت في القطاع بعد الحرب. وترى جهات فلسطينية أن الإصرار الشعبي على العودة يفشل أي رهانات على "الهجرة الطوعية" أو تفريغ القطاع من سكانه.

فلسطينيون يستفبلون ذويهم العائدين لدى وصولهم إلى مستشفى ناصر بعد السماح لهم بالدخول إلى غزة من مصر. / AP

 

لكن على الأرض، تبدو الصورة أكثر بساطة.. أم تريد احتضان أبنائها، مريض يسعى ليموت في بيته لا في غربة قسرية، وشاب عاد ليعيش بين أهله ولو في خيمة.

ويؤكد عائدون بعد رحلة علاج طويلة أنهم سعداء رغم أنهم وجدوا ليس فقط بيتوهم مدمرة بل أحياءهم كاملة مسحت عن الوجود، لكن لأرض تعرف أصحابها وتحتضنهم بين ركامها، ولسان حالهم يقول "اتخذنا القرار الصحيح".

في قطاع لا تتجاوز مساحته 360 كيلومترا مربعا، يصر الناس على البقاء والعودة، رغم الدمار الواسع ونقص الخدمات وتداعيات حرب خلفت آلاف الضحايا والجرحى. عشرات الآلاف ما زالوا ينتظرون دورهم للعبور، فيما يحتاج آلاف المرضى إلى مغادرة القطاع للعلاج.

ومع ذلك، تتكرر العبارة ذاتها في شهادات العائدين: "نحن هنا لأننا نريد أن نكون هنا". لا يتعلق الأمر بالظروف المعيشية، بل بالانتماء. فصاحب الأرض، كما يقول الغزيون، يعشقها حتى لو أثخنتها الجراح.

يبدو أن غزة، بكل ما فيها من ألم، ما زالت قادرة على إدهاش العالم. فبين أنقاض البيوت وصدى التحقيقات، يختار أهلها العودة. لا لأن الطريق سهل، بل لأن البقاء في الغياب أصعب.

 

تم طباعة هذه الخبر من موقع الشبكة العربية للأنباء https://www.arabnn.news - رابط الخبر: https://www.arabnn.news/news80802.html