
في تحول مرعب يعكس مستقبل الحروب الحديثة، تعمل شركة "إيرباص" على إعادة تعريف دور الطائرات العسكرية عبر مشروع يغيّر قواعد اللعبة بالكامل. الطائرة Airbus A400M Atlas، التي كانت تُعرف سابقا كناقل عملاق للجنود والمعدات، يجري تحويلها اليوم إلى ما يشبه "سفينة أم" قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات بدون طيار والصواريخ الذكية في قلب المعركة.
الفكرة ليست مجرد تطوير تقني، بل ثورة عسكرية حقيقية. تخيل طائرة واحدة تحلق على ارتفاع آمن، بعيدة عن أنظمة الدفاع الجوي، لكنها في نفس الوقت تُطلق أسراباً من الدرونز يمكنها تنفيذ مهام متعددة: الاستطلاع، التشويش الإلكتروني، أو حتى الهجوم المباشر كذخائر انتحارية تضرب أهدافها بدقة مميتة.
يُمكّن هذا التصميم الطائرة من حمل ما يصل إلى 12 صاروخ كروز أو حوالي 50 طائرة مسيّرة متوسطة الحجم ، وذلك حسب المهمة. ولأن الحمولة داخلية، تحافظ الطائرة على مداها وكفاءتها في استهلاك الوقود وأدائها الديناميكي الهوائي.
أكدت شركة إيرباص أن عملية التطوير جارية مع عميل أوروبي لم يُكشف عن هويته. ويستند هذا الجهد إلى تجارب سابقة أجرتها القوات الجوية الفرنسية والألمانية، بما في ذلك اختبارات إطلاق الطائرات المسيّرة ودراسات الديناميكا الهوائية.
وتدعم طائرة A400M بالفعل حمولات معيارية، ويجري تحديثها من سعة قصوى تبلغ 81,600 رطل إلى حوالي 88,200 رطل. ويمكنها حمل تسع منصات نقالة عسكرية قياسية ضمن مساحة شحن تبلغ حوالي 12,000 قدم مكعب، مما يجعلها مناسبة لهذا الدور الهجومي الجديد.
تستخدم شركة إيرباص صاروخ توروس KEPD 350 كمرجع لأغراض التكامل وتحديد الحجم. هذا الصاروخ بعيد المدى يعمل منذ عام 2006 وهو مصمم لشن ضربات عميقة ضد أهداف محصنة.
يبلغ طول الصاروخ حوالي 16.7 قدمًا ويزن ما يقارب 3100 رطل عند الإطلاق. وهو يحمل رأسًا حربيًا خارقًا ثنائي المراحل مصممًا لاختراق الهياكل المحصنة مثل المخابئ والممرات قبل الانفجار.
يتجاوز مداها 310 أميال، مما يسمح لطائرة A400M بإطلاق أسلحة من مسافات بعيدة خارج نطاق اشتباك صواريخ أرض-جو التقليدية. يبلغ وزن حمولة كاملة من 12 صاروخًا حوالي 37,000 رطل، مما يترك مساحة لأنظمة الدعم وهياكل المنصات ضمن حدود الطائرة.
يتجنب هذا النهج الداخلي للعربة عقوبات السحب ويسمح للطائرة بالعمل دون تغييرات هيكلية كبيرة.
كيف يعمل نظام الإطلاق على منصات التحميل
يعتمد نظام الإطلاق على استخراج الأسلحة من منصات التحميل عبر منحدر الشحن الخلفي. تشبه هذه الطريقة الأنظمة التي تم اختبارها على طائرات النقل الأمريكية، حيث يتم نشر الأسلحة من منصات تحميل قياسية.
يتم تثبيت كل صاروخ على منصات مزودة بوحدات إطلاق تتحكم في التوقيت والتسلسل. أثناء الإطلاق ، تسحب مظلة المنصة من الطائرة، مما يؤدي إلى هبوط مُتحكم به.
بمجرد استقرار الصواريخ في تدفق الهواء، يتم إطلاقها واحداً تلو الآخر مع مراعاة التباعد الدقيق لتجنب الاصطدامات. بعد الانفصال، يبدأ كل صاروخ تشغيل محركه ويتجه نحو هدفه.
يُغني هذا النهج عن الحاجة إلى حجرات القنابل أو نقاط التعليق أسفل الأجنحة. كما يُتيح التركيب أو الإزالة السريعة باستخدام أنظمة التحميل والتفريغ بالدحرجة، مما يسمح بالتبديل السريع بين أنواع المهام، وفقا لموقع "interestingengineering".
مع ذلك، توجد تحديات تقنية. إذ يمكن للمنحدر الخلفي استيعاب حمولة تبلغ حوالي 70,500 رطل، لذا يجب توزيع الحمولات على عدة منصات نقالة. كما يتطلب اضطراب تدفق الهواء الناتج عن محركات التوربينات المروحية للطائرة تحكمًا دقيقًا في توقيت الإطلاق واتجاهه.
صُممت طائرة A400M المطورة للعمل كجزء من شبكة ميدانية متصلة. وقد تشمل اتصالات فضائية آمنة تسمح للأطقم بمراقبة حالة الصواريخ وتحديث بيانات الاستهداف بعد الإطلاق.
مع أن التحكم الكامل في الوقت الفعلي لم يُؤكد بعد، إلا أن النظام قد يدعم تحديثات محدودة أثناء الطيران. وهذا من شأنه أن يحول الطائرة إلى مركز قيادة قادر على تنسيق الضربات مع الأصول الأخرى.
في سيناريوهات القتال، يمكن لعدة طائرات من طراز A400M إطلاق موجات كبيرة من الصواريخ. على سبيل المثال، يمكن لأربع طائرات نشر ما يصل إلى 48 صاروخا في مهمة واحدة، ما يضاهي القوة النارية لتشكيلات الضربات المتخصصة.
إلى جانب الصواريخ، تستكشف شركة إيرباص عدة نماذج أخرى باستخدام نفس التصميم المعياري. وتشمل هذه النماذج حاملات الطائرات بدون طيار، ومنصات الحرب الإلكترونية، ومحطات تقوية الاتصالات، وتحديثات التزود بالوقود جواً، وحتى أنظمة مكافحة الحرائق القادرة على إسقاط ما يصل إلى 44000 رطل من الماء.
هذه الطائرة لا تعمل وحدها، بل ضمن مفهوم متقدم يُعرف باسم Manned-Unmanned Teaming، حيث تتعاون الأنظمة المأهولة مع غير المأهولة في تناغم شبه كامل. هذا يعني أن الطيار لم يعد يقاتل وحده، بل يقود جيشا كاملاً من الآلات الذكية التي تستجيب للأوامر في أجزاء من الثانية.
ميزة هذا النظام تكمن في قدرته على تقليل الخسائر البشرية، لكنه في المقابل يفتح الباب أمام نوع جديد من الحروب الباردة والبعيدة، حيث يتم تدمير الأهداف دون أن يرى المهاجم خصمه وجهًا لوجه. كما أن إطلاق الصواريخ من مسافات بعيدة يمنح هذه الطائرة قدرة على ضرب أهداف استراتيجية دون دخول مناطق الخطر، ما يجعلها سلاحا مرعبا في أي صراع مستقبلي.
ومع استمرار الاختبارات والتطوير، تشير التوقعات إلى أن هذه التكنولوجيا قد تصبح جاهزة خلال السنوات القادمة، لتدخل الخدمة كجزء من منظومات قتالية أكثر تعقيدا. حينها، لن تكون المعركة مجرد مواجهة بين جيوش، بل بين شبكات ذكية من الطائرات والدرونز التي تتواصل وتتخذ قرارات شبه مستقلة.