أثارت جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، بعد تطاولها ليل الثلاثاء الماضي على مكة المكرمة، واستهدافها بطائرة مسيرة، حنَق الأمة الإسلامية جمعاء، بتطاولها على أقدس بقاع الأرض، ما وضعها وفقاً لمراقبين، في خانة الصفحات السوداء من التاريخ، وإثباتها بهذا النوع من التطرف الموصوف، بأن نعتها بالإرهاب ووضعها على القوائم الدولية، مستحق وذو مبررات مشروعة.
الدفاعات السعودية بالمرصاد
وتصدت قوات دفاع الجو السعودي للطائرة المسيرة التي حاولت الدخول للمجال الجوي لمكة المكرمة، طبقاً لما كشفه المتحدث بلسان قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن اللواء تركي المالكي.
المرة الثانية
التخريب الحوثي بأدواته المتطرفة لم يكن الأول من ناحية استهداف مكة المكرمة، بل هو الثاني من نوعه، إذ أقدمت الجماعة على قصفها في يوليو (تموز 2017)، في خطوة تؤكد فقدان أدبيات الحوثي، لأبسط مقومات احترام المقدسات الدينية.
استهجان رسمي وشعبي
لقيت تلك الحادثة استهجاناً سياسياً من المجتمع الإسلامي والدولي، تزامن مع رفض شعبي واسع النطاق، توحد عن إطلاق تحذيرات شهدتها وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، بـ"إلا مكة"، في رد فعل شديد الغضب على تلك الواقعة.
دلالة تكرار السلوك
"العربية.نت" قلّبت صفحات هذا الملف الشائك. طرحت بعضاً من أفكار بحثها على اللواء الدكتور عبد اللطيف الحميدان، الكاتب والمحلل السياسي والأمني في شؤون الشرق الأوسط، الذي من واقع خبرته، رأى أن خطورة ما جرى، لا تقف عند حدود محاولة استهداف مكة المكرمة، على ما يمثله ذلك من انتهاك بالغ الخطورة لحرمة أقدس بقاع المسلمين؛ إنما في الدلالة الاستراتيجية التي يكشفها تكرار هذا السلوك، بعد واقعة مماثلة أعلنت عنها المملكة عام 2017، فعندما يتكرر تهديد يتكرر بعد نحو تسع سنوات، فإن المسألة لم تعد حادثة منفردة يمكن عزلها عن سلوك الفاعل، بل تصبح جزءاً من السؤال المتعلق بمدى إمكانية الوثوق بتعهداته، وبالحدود التي يمكن أن يقف عندها استخدامه للقوة.
مفارقة استراتيجية
يشير اللواء الحميدان إلى ما اعتبره مفارقة استراتيجية شديدة الأهمية، فالحوثيون يسعون في الوقت الراهن، إلى تقديم رسائل بأن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب يمكن أن تبقى آمنة، وأن مرور السفن والتجارة الدولية ليس مستهدفاً على نحو مطلق. لكن الثقة في أمن الممرات الدولية لا تُبنى على البيانات وحدها، وإنما على سلوك يمكن التنبؤ به، ووجود خطوط حمراء ثابتة، لا يتم تجاوزها.
ضبط التوقعات
يضع الرجل الذي تداخل في حديثٍ مع "العربية.نت" تساؤلاً مشروعاً أمام المجتمع؛ مفاده: كيف يمكن الاطمئنان إلى ضمانات تتعلق بباب المندب، لطرف تنسب إليه السعودية للمرة الثانية تعريض مكة المكرمة للخطر؟ يسترسل في الشرح. قائلاً: "المشكلة ليست في القدرة العسكرية وحدها. المشكلة بقابلية السلوك للضبط والتوقع. هذه قضية جوهرية في حسابات الأمن الدولي. لأن الدول وشركات الملاحة وأسواق الطاقة لا تحتاج فقط إلى أن يكون الممر البحري مفتوحاً اليوم، بل تحتاج إلى قدر معقول من اليقين بأنه سيبقى مفتوحاً غداً، وأن قرار إغلاقه أو تهديده لن يتحول في لحظة سياسية، إلى أداة ضغط".
فجوة الخطاب والسلوك الحوثي
يحذر الخبير السعودي مما أسماه فجوة بين الخطاب الذي يطمئن العالم بشأن حرية الملاحة، وبين السلوك العسكري الذي يتجاوز خطوطاً بالغة الحساسية، تخلق أزمة ثقة تتجاوز المملكة واليمن، وتمتد إلى منظومة التجارة والطاقة والأمن البحري الدولي بأكملها.
ملفات مترابطة
يربط اللواء الحميدان قصف مكة، بملف باب المندب، فهما ملفان ليسا منفصلين كما قد يبدو للوهلة الأولى. فالأولى تختبر حدود السلوك العسكري، بينما تختبر الثانية مصداقية الضمانات السياسية والأمنية.
الثقة بالتعهدات
ويعتقد أن من يريد أن يثق المجتمع الدولي بتعهداته، في واحد من أهم شرايين التجارة العالمية، عليه أن يقدم سلوكاً يؤكد وجود حدود لا يتجاوزها، لأن الطرف الذي لا تستطيع القوى الدولية أن تتنبأ بحدود تصعيده، يصبح عنصراً خطراً من الناحية الاستراتيجية، حتى في الفترات التي لا يستخدم فيها القوة. هذا يفسر لماذا اكتسبت الحادثة صدى إسلامياً ودولياً واسعاً. مكة ليست مدينة سعودية بالمعنى الجغرافي وحده، بل قبلة المسلمين ومركزاً وجدانياً وروحياً للعالم الإسلامي. لذلك المساس بأمنها يوسع تلقائياً دائرة المتأثرين بالفعل، ويحوّل القضية من مواجهة بين الحوثي والحكومة الشرعية والسعودية، إلى قضية تمس شعور ومصالح فضاء إسلامي ودولي أوسع.
الأمن.. مفهوم واحد
يستطرد في مداخلته. يمضي اللواء السعودي في شرح مفاهيمه. يمضي بالقول: "أعتقد أن هذه هي النقطة التي ينبغي للمجتمع الدولي أن يتوقف عندها بجدية. لأن أمن الحرمين وأمن الممرات البحرية يلتقيان عند مفهوم واحد؛ عنوانه الثقة في استقرار الإقليم. إذا كان العالم معنياً باستقرار باب المندب، لأنه شريان للتجارة والطاقة، فإن العالم الإسلامي معني بأمن مكة والمدينة، باعتبارهما مقدسات لا يجوز إدخالهما في معادلات الصراع. في الحالتين الاستقرار يحتاج إلى قواعد ثابتة، لا تطمينات ظرفية تتغير بتغير موازين القوة.
مؤشر تقييم الثقة
ويجزم أن تكرار التهديد المعلن لمكة بعد واقعة 2017، ينبغي ألا يُقرأ فقط بوصفه تصعيداً عسكرياً، بل كمؤشر يستحق أن يدخل في أي تقييم دولي لموثوقية الالتزامات المتعلقة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، فالمصداقية الاستراتيجية لا تتجزأ. من يطلب من العالم أن يثق بضماناته في البحر، عليه أن يثبت في البر وفي الجو، أن هناك حدوداً ثابتة لا يتجاوزها، على رأسها أن المقدسات والمدنيين والممرات الدولية، ليست أوراقاً قابلة للتوظيف في معادلة الضغط والمساومة.
المجتمع الدولي وحوثي المستقبل
يخلص اللواء الحميدان إلى طرح سؤال مبني على واقعة قصف مكة المكرمة للمرة الثانية، يُفترض أن يوجه للمجتمع الدولي، ليس مبنياً على ماذا أراد الحوثي أن يستهدف، إنما ما حدود التوقعات المستقبلية منه؛ لأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبنى على حسن النوايا أو على تطمينات مرحلية، بقدر ما هو على مفهوم مستقر يمكن التنبؤ به من جانب، ومن آخر على احترام واضح للخطوط، التي لا يجوز لأي صراع أن يتجاوزها، وفي مقدمة تلك الخطوط أمن الحرمين الشريفين، وحرمة مكة المكرمة، وأمن الملاحة الدولية.
رسالة تهديد مكة
لا يبتعد عمر الشدي رئيس تحرير صحيفة اليوم السعودية سابقاً في تصوراته، عن رأي من سبقه، إذ يجد بأن خطورة ما حدث، لا تقاس فقط بنوع السلاح، أو بمدى قدرته على الوصول، بل بما تبطنه الرسالة التي يحملها مجرد اقتراب من حدود قدسية مكة المكرمة.
البيانات لا تكفي
بحسب تصورات الشدي الذي تحدث مع "العربية.نت"، فإنه بالضرورة ألا تتحول مثل هذه الحوادث، إلى مجرد خبر عابر، أو بيان إدانة، ينتهي أثره بعد ساعات؛ فهناك فارق كبير بين أي خلاف سياسي أو مواجهة عسكرية، وبين أن يصل السلاح إلى محيط المقدسات، أو المصالح المدنية والمدنيين.
ملفات ثابتة
ضمن تفسيرات الشدي في هذا الإطار، أن الدول قد تختلف في مواقفها وحساباتها، وقد تتغير التحالفات والظروف السياسية، لكن هناك خطوطاً حُمر، يفترض ألا تكون محل خلاف، ومكة في مقدمتها. يستنتج أن جماعة أنصار الله الحوثية، لا تملك أي قيم دينية أو أخلاقية، فالحرب لها أخلاقيات يحترمها الشرفاء، حتى إن كانت ضد عدو. ينتهي عند التأكيد على أن الصراعات مؤطرة بحدود، ومكة المكرمة ليست ضمن أي حدود، ولا أي ساحة مطروحة للنزاع.
شاهد من الداخل
يشدد معمر الإرياني، وزير إعلام الحكومة المعترف بها دولياً، في قولٌ صريح بأن جماعة الحوثي لا تقيم وزناً لحرمة المقدسات، ولا لسلامة المدنيين، وأن ذلك امتداد لسجل طويل من الاستهدافات، التي طالت أطهر بقاع الأرض، يختصر تجاهلها الصارخ لحرمة مكة، وقدسيتها في وجدان أكثر من مليار مسلم.
سقوط كذبة نصرة فلسطين
وينبري الإرياني لوضع أصبعه على الجرح. كتب على حسابه في منصة "إكس"، أن كل أكاذيب الحوثيين، ومحور طهران حول فلسطين وغزة، وكل محاولاتهم بتقديم أنفسهم باعتبارهم حماة القدس والمدافعين عن القضية الفلسطينية، تسقط لمجرد التفكير باستهداف مكة المكرمة.
تناقضات حوثية
من باب قطع الطريق على استغفال جماعة الحوثي للرأي العام العربي والإسلامي، يجب استذكار رفض زعيمها عبد الملك الحوثي المختبئ بأحد كهوف صعدة، في 30 مايو (أيار 2022؛) ما اعتبره تدنيساً للمسجد الأقصى في الأراضي الفلسطينية، حين اقتحم وقتذاك قرابة 1700 شخص من المستوطنين الإسرائيليين ساحات المسجد الأقصى، احتفاء بما يسمى يوم توحيد القدس، بغطاء أمني من جهاز الأمن العام "الشاباك"، قال حينها: "الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى، مستفزة وتوجه رسالة إلى كل المسلمين"، مقابل أنه كرر قصف أقدس بقاع الأرض، منفذاً لأوامر أرباب التخريب في الحرس الثوري الإيراني، ليثبت أنه أداة رخيصة، تؤدي دوراً وظيفياً مدفوع الثمن، يقوم على خداع المكلومين بالشعارات الرنانة الفارغة، التي رفعتها ولاية الفقيه، وبنهاية المطاف تضرر منها كل من رفعت لواء نصرته في العالم الإسلامي، وفقاً لباحثين سياسيين.